فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 8321

فالمبدأ هو قوله تعالى: { وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [ البقرة: 285 ] لأن هذا المعنى لا بدّ منه لمن يريد الذهاب إلى الله ، وأما الكمال فهو التوكل على الله والالتجاء بالكلية إليه وهو قوله: { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } وهو قطع النظر عن الأعمال البشرية والطاعات الإنسانية والالتجاء بالكلية إلى الله تعالى وطلب الرحمة منه وطلب المغفرة ، ثم إذا تمت معرفة الربوبية بسبب معرفة الأصول الأربعة المذكورة وتمت معرفة العبودية بسبب معرفة هذين الأصلين المذكورين لم يبق بعد ذلك إلا الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب والاستعداد للذهاب إلى المعاد ، وهو المراد من قوله: { وَإِلَيْكَ المصير } ويظهر من هذا أن المراتب ثلاثة: المبدأ والوسط ، والمعاد ، أما المبدأ فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمور أربعة: وهي معرفة الله ، والملائكة ، والكتب ، والرسل ، وأما الوسط فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمرين: «سمعنا وأطعنا» نصيب عالم الأجساد ، و «غفرانك ربنا» نصيب عالم الأرواح ، وأما النهاية فهي إنما تتم بأمر واحد ، وهو قوله: { وَإِلَيْكَ المصير } [ البقرة: 285 ] فابتداء الأمر أربعة ، وفي الوسط صار اثنين ، وفي النهاية صار واحدًا .

ولما ثبتت هذه المراتب السبع في المعرفة تفرع عنها سبع مراتب في الدعاء والتضرع:

فأولها: قوله: { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [ البقرة: 286 ] وضد النسيان هو الذكر كما قال تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْرًا كَثِيرًا } [ الأحزاب: 41 ] وقوله: { واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [ الكهف: 24 ] وقوله: { تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [ الأعراف: 201 ] وقوله: { واذكر اسم رَبّكَ } [ الإنسان: 25 ] وهذا الذكر إنما يحصل بقوله بسم الله الرحن الرحيم .

وثانيها: قوله: { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } [ البقرة: 286 ] ودفع الأصر والأصر هو الثقل يوجب الحمد ، وذلك إنما يحصل بقوله الحمد لله رب العالمين .

وثالثها: قوله: { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } [ البقرة: 286 ] وذلك إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك هو قوله الرحمن الرحيم .

ورابعها: قوله: { واعف عَنَّا } لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين ، وهو قوله مالك يوم الدين .

وخامسها: قوله تعالى: { واغفر لَنَا } لأنا في الدنيا عبدناك واستعنا بك في كل المهمات ، وهو قوله إياك نعبد وإياك نستعين .

وسادسها: قوله: { وارحمنا } لأنا طلبنا الهداية منك في قولنا: اهدنا الصراط المستقيم .

وسابعها: قوله: { أَنتَ مولانا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } [ البقرة: 286 ] وهو المراد من قوله { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } .

فهذه المراتب السبع المذكورة في آخر سورة البقرة ذكرها محمد E في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج ، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة ، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت هذه الأنوار في عهد محمد E من المصدر إلى المظهر ، فلهذا السبب قال عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت