{ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ } [ المائدة: 23 ] الآية .
قوله تعالى: { وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضًا حسنًا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في الآية حذف ، والتقدير: وقال الله لهم إني معكم ، إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم .
المسألة الثانية: قوله { إِنّى مَعَكُمْ } خطاب لمن؟ فيه قولان: الأول: أنه خطاب للنقباء ، أي وقال الله للنقباء إني معكم . والثاني: أنه خطاب لكل بني إسرائيل ، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى . لأن الضمير يكون عائدًا إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكور هنا النقباء والله أعلم .
المسألة الثالثة: أن الكلام قد تم عند قوله { وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ } والمعنى إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم ، فقوله { إِنّى مَعَكُمْ } مقدمة معتبرة جدًا في الترغيب والترهيب ، ثم لما وضع الله تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها جملة شرطية ، والشرط فيها مركب من أمور خمسة ، وهي قوله { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضًا حَسَنًا } والجزاء هو قوله { لأُكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم } وذلك إشارة إلى إزالة العقاب . وقوله { ولأُدخلنكم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } وهو إشارة إلى إيصال الثواب ، وفي الآية سؤالات:
السؤال الأول: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها؟
والجواب: أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بدّ في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل ، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بدّ من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود ، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل .
والسؤال الثاني: ما معنى التعزيز؟ الجواب: قال الزجاج: العزر في اللغة الرد ، وتأويل عزرت فلانًا ، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه ، ولهذا قال الأكثرون: معنى قوله { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي نصرتموهم ، وذلك لأن من نصر إنسانًا فقد رد عنه أعداءه . قال: ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله { وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ } [ الفتح: 9 ] تكرارًا .
والسؤال الثالث: قوله { وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضًا حَسَنًا } دخل تحت إيتاء الزكاة ، فما الفائدة في الإعادة؟
والجواب: المراد بإيتاء الزكاة الواجبات . وبهذا الاقراض الصدقات المندوبة ، وخصها بالذكر تنبيهًا على شرفها وعلو مرتبتها . قال الفرّاء: ولو قال: وأقرضتم الله إقراضًا حسنًا لكان صوابًا أيضًا إلا أنه قد يقام الإسم مقام المصدر ، ومثله قوله { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } [ آل عمران: 37 ] ولم يقل يتقبل ، وقوله { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ولم يقل إنباتًا .
ثم قال تعالى: { فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } أي أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم .
فإن قيل: من كفر قبل ذلك أيضًا فقد ضل سواء السبيل .
قلنا: أجل ، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة ، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية القصوى .