فهرس الكتاب

الصفحة 2520 من 8321

والجواب من وجوه: الأول: أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا ، والمعارضة بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول: لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم الله في الدنيا ، ومحمد E ادعى أنه من أحباء الله ولم يدع أنه من أبناء الله فزال السؤال . الثاني: أن موضع الالزام هو عذاب الآخرة ، واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة: 80 ] والثالث: المراد بقوله { قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } فلم مسخكم ، فالمعذب في الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان الرسول E ، إلاّ أنهم لما كانوا من جنس أولئك المتقدمين حسنت هذه الإضافة ، وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله E أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فإنهم يقولون: لا نسلم أنه تعالى يعذبنا ، بل الأولى أن يحتج عليهم عليهم بشيء قد وجد وحصل حتى يكون الاستدلال به قويًا متينًا .

ثم قال تعالى: { بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له ، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه ، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .

واعلم أنا بينا أن مراد القوم من قولهم { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } كمال رحمته عليهم وكمال عنايته بهم .

وإذا عرفت هذا فمذهب المعتزلة أن كل من أطاع الله واحترز عن الكبائر فإنه يجب على الله عقلًا إيصال الرحمة والنعمة إليه أبد الآباد ، ولو قطع عنه بعد ألوف سنة في الآخرة تلك النعم لحظة واحدة لبطلت إلهيته ولخرج عن صفة الحكمة ، وهذا أعظم من قول اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكما أن قوله { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } إبطال لقول اليهود . فبأن يكون إبطالًا لقول المعتزلة أولى وأكمل .

ثم قال تعالى: { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } بمعنى من كان ملكه هكذا وقدرته هكذا فكيف يستحق البشر الضعيف عليه حقًا واجبًا؟ وكيف يملك الإنسان الجاهل بعبادته الناقصة ومعرفته القليلة عليه دينًا . إنها كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبًا .

ثم قال تعالى: { وَإِلَيْهِ المصير } أي وإليه يؤول أمر الخلق في الآخرة لأنه لا يملك الضر والنفع هناك إلا هو كما قال { والامر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [ الانفطار: 19 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت