القول الثاني: في تفسير هذه الآية ما ذكره القفال ، وهو أنه تعالى قال في أول السورة { أَوْفُواْ بالعقود } فبيّن أنه كما لا يجوز استحلال المحرم كذلك لا يجوز تحريم المحلل ، وكانت العرب تحرم من الطيبات ما لم يحرمه الله تعالى ، وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وقد حكى الله تعالى ذلك في هذه السورة وفي سورة الأنعام ، وكانوا يحللون الميتة والدم وغيرهما ، فأمر الله تعالى أن لا يحرموا ما أحل الله ولا يحللوا ما حرمه الله تعالى حتى يدخلوا تحت قوله { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } [ المائدة: 1 ] .
المسألة الثانية: قوله { لاَ تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ } يحتمل وجوهًا: أحدها: لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله تعالى لكم ، وثانيها: لا تظهروا باللسان تحريم ما أحله الله لكم ، وثالثها: لا تجتنبوا عنها اجتنابًا شبيه الاجتناب من المحرمات ، فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الاعتقاد والقول والعمل ، ورابعها: لا تحرموا على غيركم بالفتوى وخامسها: لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى: { عِلْمَا ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } [ التحريم: 1 ] وسادسها: أن يخلط المغصوب بالمملوك خلطًا لا يمكنه التمييز ، وحينئذٍ يحرم الكل ، فذلك الخلط سبب لتحريم ما كان حلالًا له ، وكذلك القول فيما إذا خلط النجس بالطاهر ، والآية محتملة لكل هذه الوجوه ، ولا يبعد حملها على الكل والله أعلم .
المسألة الثالثة: قوله { وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } [ البقرة: 190 ] فيه وجوه: الأول: أنه تعالى جعل تحريم الطيبات اعتداءً وظلمًا فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها ، والثاني: أنه لما أباح الطيبات حرم الإسراف فيها بقوله تعالى: { وَلاَ تَعْتَدُواْ } ونظيره قوله تعالى { كُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا } [ الأعراف: 31 ] الثالث: يعني لما أحل لكم الطيبات فاكتفوا بهذه المحللات ولا تتعدوها إلى ما حرم عليكم .