المسألة الخامسة: المراد بقوله { قِيَامًا لّلنَّاسِ } أي لبعض الناس وهم العرب ، وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم .
المسألة السادسة: اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سببًا لقيام الناس وقوامهم . الأول: الكعبة وقد بينا معنى كونها سببًا لقيام الناس ، وأما الثاني: فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سببًا لقيام الناس هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضًا في سائر الأشهر ، ويغير بعضهم على بعض ، فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما كان يكفيهم طول السنة ، فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة فكان الشهر الحرام سببًا لقوام معيشتهم في الدنيا أيضًا . فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب إقامة مناسك الحج .
واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة إلا أنه عبّر عنها بلفظ الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس . وأما الثالث: فهو الهدي وهو إنما كان سببًا لقيام الناس ، لأن الهدي ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكًا للمهدي وقوامًا لمعيشة الفقراء . وأما الرابع: فهو القلائد ، والوجه في كونها قيامًا للناس أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد ، ومن قصده من غير الشهر الحرام ومعه هدي ، وقد قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد ، حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدي مقلدًا ، ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة ، ولم يتعرض لها صاحبها أيضًا ، وكل ذلك إنما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام ، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمنًا من جميع الآفات والمخافات ، فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قيامًا للناسي ذكر بعده هذه الثلاثة ، وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد ، لأن هذه الثلاثة إنما صارت سببًا لقوام المعيشة لانتسابها إلى البيت الحرام ، فكان ذلك دليلًا على عظمة هذا البيت وغاية شرفه .
ثم قال تعالى: { ذلك لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَأَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } .
والمعنى: أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد على القتل والغارة وعلم أنه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه من منافع المعيشة ، ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية ، دبر في ذلك تدبيرًا لطيفًا ، وهو أنه ألقى في قلوبهم اعتقادًا قويًا في تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه ، فصار ذلك سببًا لحصول الأمن في البلد الحرام ، وفي الشهر الحرام ، فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان ، قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا الزمان ، وفي هذا المكان ، فاستقامت مصالح معاشهم ، ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى في الأزل عالمًا بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات حتى يعلم أن الشر غالب على طباعهم ، وأن ذلك يفضي بهم إلى الفناء وانقطاع النسل ، وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف ، وهو إلقاء تعظيم الكعبة في قلوبهم حتى يصير ذلك سببًا لحصول الأمان في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، فحينئذ تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان ، وفي ذلك الزمان ، وهذا هو بعينه الدليل الذي تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالمًا ، فإنهم يقولون إن أفعاله محكمة متقنة مطابقة للمصالح ، وكل من كان كذلك كان عالمًا ، ومن المعلوم أن إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب لأجل أن يصير ذلك سببًا لحصول الأمن في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، ليصير ذلك سبب اقتدارهم على تحصيل مصالح المعيشة ، فعل في غاية الاتقان والاحكام ، فيكون ذلك دليلًا قاهرًا وبرهانًا باهرًا ، على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات ، فلا جرم قال ذلك { لّتَعْلَمُواْ } أي ذلك التدبير اللطيف لأجل أن تتفكروا فيه ، فتعلموا أنه تدبير لطيف وفعل محكم متقن ، فتعلموا { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } ثم إذا عرفتم ذلك ، عرفتم أن علمه سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود ، وما كان كذلك ، امتنع أن يكون مخصوصًا بالبعض دون البعض ، فوجب كونه متعلقًا بجميع المعلومات ، وإذا كان كذلك ، كان الله سبحانه عالمًا بجميع المعلومات ، فلذلك قال: { وَأَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .