وأما الوصيلة: فقال المفسرون: إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم ، وإن ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها ، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم ، فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها ، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها ، وأما الحام فيقال: حماه يحميه إذا حفظه وفيه وجوه: أحدها: الفحل إذا ركب ولد ولده . قيل: حمى ظهره أي حفظه عن الركوب فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت فحينئذٍ تأكله الرجال والنساء . وثانيها: إذا نتجت الناقة عشرة أبطن قالوا حمت ظهرها حكاه أبو مسلم . وثالثها: الحام هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى ، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها ، وهو قول السدي .
فإن قيل: إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فلم لا يجوزإعتاق هذه البهائم من الذبح والاتعاب والايلام .
قلنا: الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته ، فإذا تمرد عن طاعة الله تعالى عوقب بضرب الرق عليه ، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله تعالى ، فكان ذلك عبادة مستحسنة ، وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع المكلفين ، فتركها وإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها من غير أن يحصل في مقابلتها فائدة ، فظهر الفرق ، وأيضًا الإنسان إذا كان عبدًا فأعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه ، وأما البهيمة إذا أعتقت وتركت لم تقدر على رعاية مصالح نفسها فوقعت في أنواع من المحنة أشد وأشق مما كانت فيها حال ما كانت مملوكة فظهر الفرق .
ثم قال تعالى: { ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }
قال المفسرون: إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل ، فاتخذ الأصنام ، ونصب الأوثان ، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . قال النبي A: « فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه » والقصب المعا وجمعه الاقصاب ، ويروي يجر قصبه في النار . قال ابن عباس: قوله { ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب } يريد عمرو بن لحي وأصحابه يقولون على الله هذه الأكاذيب والأباطيل في تحريمهم هذه الأنعام ، والمعنى أن الرؤساء يفترون على الله على الكذب ، فأما الأتباع والعوام فأكثرهم لا يعقلون ، فلا جرم يفترون على الله هذه الأكاذيب من أولئك الرؤساء .