أجاب الأولون عنه: لم لا يجوز أن يكون المراد بالعدل من كان عدلًا في الاحتراز عن الكذب ، لا من كان عدلًا في الدين والاعتقاد ، والدليل عليه: أنا أجمعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع ، مع أنهم ليسوا عدولًا في مذاهبهم ، ولكنهم لما كانوا عدولًا في الاحتراز عن الكذب قبلنا شهادتهم ، فكذا ههنا سلمنا أن الكافر ليس بعدل ، إلا أن قوله { وأشهدوا ذوى عدل منكم } [ الطلاق: 2 ] عام ، وقوله في هذه الآية { إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } خاص فإنه أوجب شهادة العدل الذي يكون منا في الحضر ، واكتفى بشهادة من لا يكون منا في السفر ، فهذه الآية خاصة ، والآية التي ذكرتموها عامة ، والخاص مقدم على العام ، لا سيما إذا كان الخاص متأخرًا في النزول ، ولا شك أن سورة المائدة متأخرة ، فكان تقديم هذه الآية الخاصة على الآية العامة التي ذكرتموها واجبًا بالاتفاق والله أعلم .
ثم قال تعالى: { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قوله { أو آخران } عطف على قوله { اثنان } والتقدير: شهادة بينكم أن يشهد اثنان منكم أو آخران من غيركم .
المسألة الثانية: قوله { إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت } المقصود منه بيان أن جواز الاستشهاد بآخرين من غيركم مشروط بما إذا كان المستشهد مسافرًا ضاربًا في الأرض وحضرت علامات نزول الموت به .
ثم قال تعالى: { تحبسونهما من بعد الصلاة } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تحبسونهما ، أي توقفونهما كما يقول الرجل: مرَّ بي فلان على فرس فحبس على دابته أي أوقفها وحبست الرجل في الطريق أكلمه أي أوقفته .
فإن قيل: ما موقع تحبسونهما .
قلنا: هو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن حصلت الريبة فيهما فقيل تحبسونهما .
المسألة الثانية: قوله { من بعد الصلاة } فيه أقوال: الأول: قال ابن عباس من بعد صلاة أهل دينهما ، والثاني: قال عامة المفسرين من بعد صلاة العصر .