{ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأنبياء: 19 ] فإذا استحضر مجموع هذه الأشياء بقدر القدرة والطاقة ، فقد حضر في عقله ذرة من معرفة العالم ، وهو كل ما سوى الله تعالى . ثم عند هذا يعرف أن كل ما حصل لها من الوجود وكمالات الوجود في ذواتها من صفاتها وأحوالها وعلائقها ، فمن إيجاد الحق ومن جوده ووجوده ، فعند هذا يعرف من معنى قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } ذرة ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلام لا آخر له والله أعلم .
المسألة السادسة: إنا وإن ذكرنا أن قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } أُجري مجرى قوله قولوا: الحمد لله ربّ العالمين فإنما ذكرناه لأن قوله في أثناء السورة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لا يليق إلا بالعبد فلهذا السبب افتقرنا هناك إلى هذا الاضمار . أما هذه السورة وهي قوله { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } فلا يبعد أن يكون المراد منه ثناء الله تعالى به على نفسه .
وإذا ثبت هذا فنقول: إن هذا يدل من بعض الوجوه ، على أنه تعالى منزّه عن الشبيه في اللذات والصفات والأفعال وذلك لأن قوله { الحمد للَّهِ } جار مجرى مدح النفس وذلك قبيح في الشاهد ، فلما أمرنا بذلك دلّ هذا على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق ، فكما أن هذا قبيح من الخلق مع أنه لا يقبح من الحق ، فكذلك ليس كل ما يقبح من الخلق وجب أن يقبح من الحق . وبهذا الطريق وجب أن يبطل كلمات المعتزلة في أن ما قبح منا وجب أن يقبح من الله .
إذا عرفت بهذا الطريق أن أفعاله لا تشبه أفعال الخلق ، فكذلك صفاته لا تشبه صفات الخلق ، وذاته لا تشبه ذوات الخلق ، وعند هذا يحصل التنزيه المطلق والتقديس الكامل عن كونه تعالى مشابهًا لغيره في الذات والصفات والأفعال ، فهو الله سبحانه واحد في ذاته ، لا شريك له في صفاته ، ولا نظير له واحد في أفعاله لا شبيه له تعالى وتقدس والله أعلم .
أما قوله سبحانه { الذى خَلَقَ السموات والارض } ففيه مسألتان: الأولى: في السؤالات المتوجهة على هذه الآية وهي ثلاثة: