فهرس الكتاب

الصفحة 2717 من 8321

{ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ } [ المؤمنون: 15 ] .

وأما قوله تعالى: { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ }

فاعلم أن صريح هذه الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان . واختلف المفسرون في تفسيرهما على وجوه: الأول: قال أبو مسلم قوله { ثُمَّ قَضَى أَجَلًا } المراد منه آجال الماضين من الخلق وقوله { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } المراد منه آجال الباقين من الخلق فهو خص هذا الأجل . الثاني: بكونه مسمى عنده ، لأن الماضين لما ماتوا صارت آجالهم معلومة ، أما الباقون فهم بعد لم يموتوا فلم تصر آجالهم معلومة ، فلهذا المعنى قال: { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } والثاني: أن الأجل الأول هو أجل الموت والأجل المسمى عند الله هو أجل القيامة ، لأن مدة حياتهم في الآخرة لا آخرة لها ولا انقضاء ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله سبحانه وتعالى . والثالث: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت . والثاني: ما بين الموت والبعث وهو البرزخ . والرابع: أن الأول: هو النوم والثاني: الموت . والخامس: أن الأجل الأول مقدار ما انقضى من عمر كل أحد ، والأجل الثاني: مقدار ما بقي من عمر كل أحد . والسادس: وهو قول حكماء الإسلام أن لكل إنسان أجلين: أحدهما: الآجال الطبيعية . والثاني: الآجال الاخترامية . أما الآجال الطبيعية: فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصونًا من العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني ، وأما الآجال الاخترامية: فهي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية: كالغرق والحرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المعضلة ، وقوله { مُّسمًّى عِندَهُ } أي معلوم عنده أو مذكور اسمه في اللوح المحفوظ ، ومعنى عنده شبيه بما يقول الرجل في المسألة عندي أن الأمر كذا وكذا أي هذا اعتقادي وقولي .

فإن قيل: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفًا وجب تأخيره فلم جاز تقديمه في قوله { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ }

قلنا: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة كقوله { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } [ البقرة: 221 ] .

وأما قوله { ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } فنقول: المرية والامتراء هو الشك .

وأعلم أنا إن قلنا المقصود من ذكر هذا الكلام الاستدلال على وجود الصانع كان معناه أن بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة أنتم تمترون في صحة التوحيد ، وإن كان المقصود تصحيح القول بالمعاد فكذلك ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت