قلنا: لا نسلم والدليل عليه قوله { والسماء وَمَا بناها والأرض وَمَا طحاها وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } [ الشمس: 5 7 ] ونظيره { وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ } [ الكافرون: 3 ] ولا شك أن المراد بكلمة ما ههنا هو الله سبحانه . والثاني: أن قوله { وَهُوَ الله فِى السموات } إما أن يكون المراد منه أنه موجود في جميع السموات ، أو المراد أنه موجود في سماء واحدة . والثاني: ترك للظاهر والأول: على قسمين لأنه إما أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد السموات عين ما حصل منه في سائر السموات أو غيره ، والأول: يقتضي حصول المتحيز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل . والثاني: يقتضي كونه تعالى مركبًا من الأجزاء والأبعاض وهو محال . والثالث: أنه لو كان موجودًا في السماوات لكان محدودًا متنايهًا وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكنًا ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث . والرابع: أنه لو كان في السموات فهل يقدر على خلق عالم آخر فوق هذه السموات أو لا يقدر ، والثاني: يوجب تعجيزه والأول: يقتضي أنه تعالى لو فعل ذلك لحصل تحت هذا العالم ، والقوم ينكرون كونه تحت العالم والخامس: أنه تعالى قال: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } [ الحديد: 4 ] وقال: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } [ ق: 16 ] وقال: { وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الأرض إله } [ الزخرف: 84 ] وقال { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله } [ البقرة: 115 ] وكل ذلك يبطل القول بالمكان والجهة للهِ تعالى ، فثبت بهذه الدلائل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره فوجب التأويل وهو من وجوه: الأول: أن قوله { وَهُوَ الله فِى السموات وَفِى الأرض } يعني وهو الله في تدبير السموات والارض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاح مهماته ، ونظيره قوله تعالى: { وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الارض إله } والثاني: أن قوله { وَهُوَ الله } كلام تام ، ثم ابتدأ وقال: { فِي السموات وَفِى الارض يَعلمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } والمعنى إله سبحانه وتعالى يعلم في السموات سرائر الملائكة ، وفي الأرض يعلم سرائر الإنس والجن . والثالث: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير والتقدير: وهو الله يعلم في السموات وفي الأرض سركم وجهركم ، ومما يقوي هذه التأويلات أن قولنا: وهو الله نظير قولنا هو الفاضل العالم ، وكلمة هو إنما تذكر ههنا لإفادة الحصر ، وهذه الفائدة إنما تحصل إذا جعلنا لفظ الله اسمًا مشتقًا فأما لو جعلناه اسم علم شخص قائم مقام التعيين لم يصح إدخال هذه اللفظة عليه ، وإذا جعلنا قولنا: الله لفظًا مفيدًا صار معناه وهو المعبود في السماء وفي الأرض ، وعلى هذا التقدير يزول السؤال والله أعلم .