جعلها أسماء ألقاب أو معاني:
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذه الألفاظ غير معلومة ، قوله: «لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج» قلنا: ولم لا يجوز ذلك؟ وبيانه أن الله تعالى تكلم بالمشكاة وهو بلسان الحبشة ، والسجيل والاستبرق فارسيان ، قوله: «وصف القرآن أجمع بأنه هدى وبيان» قلنا: لا نزاع في اشتمال القرآن على المجملات والمتشابهات ، فإذا لم يقدح ذلك في كونه هدى وبيانًا فكذا ههنا ، سلمنا أنها مفهومة ، لكن قولك: «إنها إما أن تكون من أسماء الألقاب أو من أسماء المعاني» إنما يصح لو ثبت كونها موضوعة لإفادة أمر ما وذلك ممنوع ، ولعل الله تعالى تكلم بها لحكمة أخرى ، مثل ما قال قطرب من أنهم لما تواضعوا في الابتداء على أن لا يلتفتوا إلى القرآن أمر الله تعالى رسوله بأن يتكلم بهذه الأحرف في الابتداء حتى يتعجبوا عند سماعها فيسكتوا ، فحينئذٍ يهجم القرآن على أسماعهم ، سلمنا أنها موضوعة لأمر ما ، فلم لا يجوز أن يقال: إنها من أسماء المعاني؟ قوله: «إنها في اللغة غير موضوعه لشيء البتة» قلنا لا نزاع في أنها وحدها غير موضوعة لشيء ، ولكن لم لا يجوز أن يقال: إنها مع القرينة المخصوصة تفيد معنى معينًا؟ وبيانه من وجوه: أحدها: أنه عليه السلام كان يتحداهم بالقرآن مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلت قرينة الحال على أن مراده تعالى من ذكرها أن يقول لهم: إن هذا القرآن إنما تركب من هذه الحروف التي أنتم قادرون عليها ، فلو كان هذا من فعل البشر لوجب أن تقدروا على الإتيان بمثله ، وثانيها: أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس ، وثالثها: أن هذه الحروف لما كانت أصول الكلام كانت شريفة عزيزة ، فالله تعالى أقسم بها كما أقسم بسائر الأشياء ، ورابعها: أن الاكتفاء من الاسم الواحد بحرف واحد من حروفه عادة معلومة عند العرب ، فذكر الله تعالى هذه الحروف تنبيهًا على أسمائه تعالى .