فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه لا يجوز منهم فعل القبيح ، إذا كانوا عقلاء إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم ، فقالوا: هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم ، أو يقال: إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا .
والجواب عن الأول: أنه تعالى لا يجوز أن يحشرهم: ويورد عليهم التوبيخ بقوله { أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ } [ الأنعام: 22 ] ثم يحكي عنهم ما يجري مجرى الاعتذار مع أنهم غير عقلاء ، لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى ، وأيضًا فالمكلفون لا بدّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ، ليعلموا أنهم بما يعاملهم الله به غير مظلومين .
والجواب عن الثاني: أن النسيان: لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال العقل بعيد لأن العاقل لا يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال ، وإن بعد العهد ، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور ولولا أن الأمر كذلك لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهرًا طويلًا ، ومع ذلك فقد نسيه ، ومعلوم أن تجويزه يوجب السفسطة .
الحجة الثانية: أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال: إنهم ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء ، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر ، وإن قلنا إنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن لله تعالى عالم بأحوالهم ، مطلع على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال ، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب .
الحجة الثالثة: أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب ، فتصير الدار الآخرة دار التكليف ، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك ، وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب ، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقابًا وذمًا ، فهذا يقتضي حصول الاذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب ، وأنه باطل ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب .
وإذا ثبت هذا: فعند ذلك قالوا يحمل قوله { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } أي ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا ، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم كانوا موحدين متباعدين من الشرك .