فهرس الكتاب

الصفحة 2769 من 8321

المسألة الرابعة: ظاهر هذه الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمدًا A ولكنهم يجحدون بآيات الله واختلفوا في كيفية الجمع بين هذين الأمرين على وجوه:

الوجه الأول: أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن والنبوة . ثم ذكروا لتصحيح هذا الوجه روايات: إحداها: أن الحرث بن عامر من قريش قال يا محمد والله ما كذبتنا قط ولكنا إن اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب . وثانيها: روي أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا ، فقال له والله إن محمدًا لصادق وما كذب قط؟ ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش فنزلت هذه الآية .

إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية على هذا التقدير أن القوم لا يكذبونك بقلوبهم ولكنهم يجحدون نبوتك بألسنتهم وظاهر قولهم وهذا غير مستبعد ونظيره قوله تعالى في قصة موسى { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } [ النمل: 14 ] .

الوجه الثاني: في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك أنت كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل والزمان المديد وما وجدوا منك كذبًا ألبتة وسموك بالأمين فلا يقولون فيك إنك كاذب ولكن جحدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمدًا عرض له نوع خبل ونقصان فلأجله تخيل من نفسه كونه رسولًا من عند الله ، وبهذا التقدير: لا ينسبونه إلى الكذب أو لأنهم قالوا: إنه ما كذب في سائر الأمور ، بل هو أمين في كلها إلا في هذا الوجه الواحد .

الوجه الثالث: في التأويل: أنه لما ظهرت المعجزات القاهرة على وفق دعواه ، ثم إن القوم أصروا على التكذيب فالله تعالى قال له إن القوم ما كذبوك ، وإنما كذبوني ، ونظيره أن رجلًا إذا أهان عبدًا لرجل آخر ، فقال هذا الآخر: أيها العبد إنه ما أهانك ، وإنما أهانني: وليس المقصود منه نفي الإهانة عنه بل المقصود تعظيم الأمر وتفخيم الشأن . وتقريره: أن إهانة ذلك العبد جارية مجرى إهانته ، ونظيره قوله تعالى: { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح: 10 ] .

والوجه الرابع: في التأويل وهو كلام خطر بالبال ، هو أن يقال المراد من قوله { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقًا ، وهو المراد من قوله { ولكن الظالمين بئايات الله يَجْحَدُونَ } والمراد أنهم يقولون في كل معجزة إنها سحر وينكرون دلالة المعجزة على الصدق على الإطلاق فكان التقدير: إنهم لا يكذبونك على التعيين بل القوم يكذبون جميع الأنبياء والرسل ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت