السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله { يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } ؟ مع أن كل طائر إنما يطير بجناحيه .
والجواب فيه من وجوه: الأول: أن هذا الوصف إنما ذكر للتأكيد كقوله نعجة أنثى وكما يقال: كلمته بفي ومشيت إليه برجلي . الثاني: أنه قد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع وعلى هذا التقدير: فقد يحصل الطيران لا بالجناح . قال الحماسي:
طاروا إليه زرافات ووحدانا ... فذكر الجناح ليتمحض هذا الكلام في الطير . والثالث: أنه تعالى قال في صفة الملائكة { جَاعِلِ الملائكة رُسُلًا أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع } [ فاطر: 1 ] فذكر ههنا قوله { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } ليخرج عنه الملائكة فإنا بينا أن المقصود من هذا الكلام إنما يتم بذكر من كان أدون حالًا من الإنسان لا بذكر من كان أعلى حالًا منه .
السؤال الرابع: كيف قال: { إِلاَّ أُمَمٌ } مع إفراد الدابة والطائر؟
والجواب: لما كان قوله { وَمَا مِن دَابَّةٍ وَلاَ طَائِرٍ } دالًا على معنى الاستغراق ومغنيًا عن أن يقول: وما من دواب ولا طيور لا جرم حمل قوله { إِلاَّ أُمَمٌ } على المعنى .
السؤال الخامس: قوله { إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم } قال الفرّاء: يقال إن كل صنف من البهائم أمة وجاء في الحديث: « لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها » فجعل الكلاب أمة .
إذا ثبت هذا فنقول: الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا ، وليس فيها ما يدل على أن هذه المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن أن يقال: المراد حصول المماثلة من كل الوجوه وإلا لكان يجب كونها أمثالًا لنا في الصورة والصفة والخلقة وذلك باطل فظهر أنه لا دلالة في الآية على أن تلك المماثلة حصلت في أي الأحوال والأمور فبينوا ذلك .
والجواب: اختلف الناس في تعيين الأمر الذي حكم الله تعالى فيه بالمماثلة بين البشر وبين الدواب والطيور وذكروا فيه أقوالًا:
القول الأول: نقل الواحدي عن ابن عباس Bهما أنه قال: يريد ، يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني . وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا: إن هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتوحده وتسبحه واحتجوا عليه بقوله تعالى: { وَأَنْ مِمَّنْ شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } [ الإسراء: 44 ] وبقوله في صفة الحيوانات { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } [ النور: 41 ] وبما أنه تعالى خاطب النمل وخاطب الهدهد ، وقد استقصينا في تقرير هذا القول وتحقيقه في هذه الآيات .
وعن أبي الدرداء أنه قال: أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة أشياء: معرفة الإله ، وطلب الرزق ، ومعرفة الذكر والأنثى ، وتهيوء كل واحد منهما لصاحبه .
وروي عن النبي A أنه قال: « من قتل عصفورًا عبثًا جاء يوم القيامة يعج إلى الله يقول يا رب إن هذا قتلني عبثًا لم ينتفع بي ولم يدعني آكل من خشاش الأرض » .