واعلم أن قوله: { ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله } مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن ، لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال: إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن ، ونظيره قوله تعالى: { ارجعى إلى رَبّكِ } [ الفجر: 28 ] وقوله: { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا } [ يونس: 4 ] ونقل عن النبي A أنه قال:"خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام"وحجة الفلاسفة على إثبات أن النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة بينا ضعفها في «الكتب العقلية» .
البحث الثاني: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغاية فقوله إلى الله يشعر بإثبات المكان والجهة لله تعالى وذلك باطل فوجب حمله على أنهم ردوا إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه .
البحث الثالث: أنه تعالى سمى نفسه في هذه الآية باسمين: أحدهما المولى ، وقد عرفت أن لفظ المولى ، ولفظ الولي مشتقان من الولي: أي القرب ، وهو سبحانه القريب البعيد الظاهر الباطن لقوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } [ ق: 16 ] وقوله: { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [ المجادلة: 7 ] وأيضًا المعتق يسمى بالمولى ، وذلك كالمشعر بأنه أعتقهم من العذاب ، وهو المراد من قوله: «سبقت رحمتي غضبي» وأيضًا أضاف نفسه إلى العبد فقال: { مولاهم الحق } وما أضافهم إلى نفسه وذلك نهاية الرحمة ، وأيضًا قال: مولاهم الحق ، والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } [ الجاثية: 23 ] فلما مات الإنسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة ، وانتقل إلى تصرفات المولى الحق .
والاسم الثاني الحق: واختلفوا هل هو من أسماء الله تعالى ، فقيل: الحق مصدر . وهو نقيض الباطل ، وأسماء المصادر لا تجري على الفاعلين إلا مجازًا كقولنا فلان عدل ورجاء وغياث وكرم وفضل ، ويمكن أن يقال: الحق هو الموجود وأحق الأشياء بالموجودية هو الله سبحانه لكونه واجبًا لذاته ، فكان أحق الأشياء بكونه حقًا هو هو ، واعلم أنه قرىء الحق بالنصب على المدح كقولك: الحمد لله الحق .
أما قوله: { أَلاَ لَهُ الحكم وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { أَلاَ لَهُ الحكم } معناه أنه لا حكم إلا لله . ويتأكد ذلك بقوله: إن الحكم إلا لله ، وذلك يوجب أنه لا حكم لأحد على شيء إلا الله ، وذلك يوجب أن الخير والشر كله يحكم الله وقضائه ، فلولا أن الله حكم للسعيد بالسعادة والشقي بالشقاوة ، وإلا لما حصل ذلك .
المسألة الثانية: قال أصحابنا هذه الآية تدل على أن الطاعة لا توجب الثواب والمعصية لا توجب العقاب ، إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله حكم ، وهو أخذ الثواب ، وذلك ينافي ما دلت الآية عليه أنه لا حكم إلا لله .
المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على حدوث كلام الله تعالى . قال لو كان كلامه قديمًا لوجب أن يكون متكلمًا بالمحاسبة . الآن: وقبل خلقه ، وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم وأصحابنا عارضوه بالعلم ، فإنه تعالى كان قبل الخلق عالمًا بأنه سيوجد ، وبعد وجوده صار عالمًا بأنه قبل ذلك وجد ، فلم يلزم منه تغير العلم ، فلم لا يجوز مثله في الكلام . والله أعلم .