فهرس الكتاب

الصفحة 2846 من 8321

الحجة الحادية عشر: أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم: { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله } وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام ، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له: { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ } [ هود: 54 ] ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار .

الحجة الثانية عشرة: أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار ، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ، ثم غربت ، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية ، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضًا في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا: إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه . أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم ، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير ، فالسؤال غير وارد ، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم: هذا ربي . وإذا بطل هذا بقي ههنا احتمالان: الأول: أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة . الأول: أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي ، على سبيل الأخبار ، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله ، ومثاله: أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم ، فيقول: الجسم قديم؟ فإذا كان كذلك ، فلم نراه ونشاهده مركبًا متغيرًا؟ فهو إنما قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه ، فكذا ههنا قال: { هذا رَبّى } والمقصود منه حكاية قول الخصم ، ثم ذكر غقيبه ما يدل على فساده وهو قوله: { لا أُحِبُّ الأفلين } وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب ، والدليل عليه: أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ } .

والوجه الثاني في التأويل: أن نقول قوله: { هذا رَبّى } معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء: أن إلهه جسم محدود أي في زعمه واعتقاده قال تعالى: { وانظر إلى إلهك الذى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا } [ طه: 97 ] وقال تعالى: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكآءِيَ } [ القصص: 62 ] وكان صلوات الله عليه يقول: « يا إله الآلهة »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت