فهرس الكتاب

الصفحة 2850 من 8321

وفيه دقيقة أخرى: وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين . ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعدًا إلى وسط السماء كان قويًا عظيمًا التأثير . أما إذا كان غريبًا وقريبًا من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة . فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان ، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي ، يكون ضعيف القوة ، ناقص التأثير ، عاجزًا عن التدبير ، وذلك يدل على القدح في إلهيته ، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجبًا للقدح في إلهيته ، والله أعلم .

أما المقام الثاني: وهو بيان أن كون الكوكب آفلًا يمنع من ربوبيته . فلقائل أيضًا أن يقول: أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالًا على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من كونه ربًا لإبراهيم ومعبودًا له ، ألا ترى أن المنجمين وأصحاب الوسايط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب وأبدعها وأحدثها ، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل ، فثبت أن أفول الكواكب وإن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أربابًا للإنسان وآلهة لهذا العالم . والجواب: لنا ههنا مقامان:

المقام الأول: أن يكون المراد من الرب والإله الموجود الذي عنده تنقطع الحاجات ، ومتى ثبت بأفول الكواكب حدوثها ، وثبت في بداهة العقول أن كل ما كان محدثًا ، فإنه يكون في وجوده محتاجًا إلى الغير . وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها إلى غيرها ، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أربابًا وآلهة . بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها ، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أربابًا وآلهة بهذا التفسير .

المقام الثاني: أن يكون المراد من الرب والإله . من يكون خالقًا لنا وموجدًا لذواتنا وصفاتنا . فنقول: أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق والإيجاد وعلى أنه لا يجوز عبادتها وبيانه من وجوه: الأول: أن أفولها يدل على حدوثها . وحدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر ويجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية . وإلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر ، ولزم التسلسل وهو محال ، فثبت أن قادريته أزلية .

وإذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدورًا له باعتبار إمكانه والإمكان واحد في كل الممكنات . فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدورًا لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات ، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدروة لله تعالى .

وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول .

فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة ، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة ، وأيضًا فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد والإبداع ، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة . ودلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات ، فأما التفريع والتفصيل ، فذاك إنما يليق بعلم الجدل . فلما ذكر الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد والإبداع ، فلهذا السبب استدل إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أربابًا وآلهة لحوادث هذا العالم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت