فهرس الكتاب

الصفحة 2870 من 8321

فالقول الأول: إن هذه الآية نزلت في حق اليهود وهو القول المشهور عند الجمهور . قال ابن عباس: إن مالك بن الصيف كان من أحبار اليهود ورؤسائهم ، وكان رجلًا سمينًا فدخل على رسول الله A ، فقال له رسول الله A: « أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها إن الله يبغض الحبر السمين وأنت الحبر السمين وقد سمنت من الأشياء التي تطعمك اليهود » فضحك القوم ، فغضب مالك بن الصيف ، ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء . فقال له قومه: ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال: إنه أغضبني ، ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه عن رياستهم ، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف ، فهذا هو الرواية المشهورة في سبب نزول هذه الآية ، وفيها سؤالات:

السؤال الأول: اللفظ وإن كان مطلقًا بحسب أصل اللغة إلا أنه قد يتقيد بحسب العرف . ألا ترى أن المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار فغضب الزوج ، وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق ، فإن كثيرًا من الفقهاء . قالوا: اللفظ وإن كان مطلقًا إلا أنه بحسب العرف يتقيد لتلك المرة فكذا ههنا قوله: { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } وإن كان مطلقًا بحسب أصل اللغة ، إلا أنه بحسب العرف يتقيد بتلك الواقعة فكان قوله: { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } مراده منه أنه ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين ، وإذا صار هذا المطلق محمولًا على هذا المقيد لم يكن قوله: { مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } مبطلًا لكلامه ، فهذا أحد السؤالات:

السؤال الثاني: أن مالك بن الصيف كان مفتخرًا بكونه يهوديًا متظاهرًا بذلك ومع هذا المذهب ألبتة أن يقول: ما أنزل الله على بشر من شيء إلا على سبيل الغضب المدهش للعقل أو على سبيل لا يمكنه طغيان اللسان ، ومثل هذا الكلام لا يليق بالله سبحانه وتعالى إنزال القرآن الباقي على وجه الدهر في إبطاله .

والسؤال الثالث: أن الأكثرين اتفقوا على أن هذه السورة مكية وأنها أنزلت دفعة واحدة ، ومناظرات اليهود مع الرسول E كانت مدنية ، فكيف يمكن حمل هذه الآية على تلك المناظرة؟ وأيضًا لما نزلت السورة دفعة واحدة ، فكيف يمكن أن يقال: هذه الآية المعينة إنما نزلت في الواقعة الفلانية؟ فهذه هي السؤالات الواردة على هذا القول ، والأقرب عندي أن يقال: لعل مالك بن الصيف لما تأذى من هذا الكلام طعن في نبوة الرسول E وقال: ما أنزل الله عليك شيئًا ألبتة ، ولست رسولًا من قبل الله ألبتة ، فعند هذا الكلام نزلت هذه الآية ، والمقصود منها أنك لما سلمت أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام ، فعند هذا لا يمكنك الإصرار على أنه تعالى ما أنزل علي شيئًا لأني بشر وموسى بشر أيضًا ، فلما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر امتنع عليك أن تقطع وتجزم بأنه ما أنزل الله علي شيئًا ، فكان المقصود من هذه الآية بيان أن الذي ادعاه محمد E ليس من قبيل الممتنعات ، وأنه ليس للخصم اليهودي أن يصر على إنكاره ، بل أقصى ما في الباب أن يطالبه بالمعجز فإن أتى به فهو المقصود ، وإلا فلا فإما أن يصر اليهودي على أنه تعالى ما أنزل على محمد شيئًا ألبتة مع أنه معترف بأن الله تعالى أنزل الكتاب على موسى ، فذاك محض الجهالة والتقليد ، وبهذا التقدير يظهر الجواب عن السؤالين الأولين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت