فهرس الكتاب

الصفحة 2872 من 8321

وأما السؤال الثاني: فجوابه: أن كفار قريش واليهود والنصارى ، لما كانوا متشاركين في إنكار نبوة محمد E لم يبعد أن يكون الكلام الواحد واردًا على سبيل أن يكون بعضه خطابًا مع كفار مكة وبقيته يكون خطابًا مع اليهود والنصارى ، فهذا ما يحضرنا في هذا البحث الصعب ، وبالله التوفيق .

المسألة الرابعة: مذهب كثير من المحققين أن عقول الخلق لا تصل إلى كنه معرفة الله تعالى / البتة ، ثم إن الكثير من أهل هذا المذهب يحتجون على صحته بقوله تعالى: { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } أي وما عرفوا الله حق معرفته ، وهذا الاستدلال بعيد ، لأنه تعالى ذكر هذه اللفظة في القرآن في ثلاثة مواضع ، وكلها وردت في حق الكفار فههنا ورد في حق اليهود أو كفار مكة ، وكذا القول في الموضعين الآخرين ، وحينئذ لا يبقى في هذا الاستدلال فائدة . والله أعلم .

المسألة الخامسة: في هذه الآية أحكام .

الحكم الأول

أن النكرة في موضع النفي تفيد العموم ، والدليل عليه هذه الآية فإن قوله: { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } نكرة في موضع النفي ، فلو لم تفد العموم لما كان قوله تعالى: { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } إبطالًا له ، ونقضًا عليه ، ولو لم يكن كذلك لفسد هذا الاستدلال ، ولما كان ذلك باطلًا ، ثبت أن النكرة في موضع النفي تعم . والله أعلم .

الحكم الثاني

النقض يقدح في صحة الكلام ، وذلك لأنه تعالى نقض قولهم: { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } بقوله: { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } فلو لم يدل النقض على فساد الكلام لما كانت حجة الله مفيدة لهذا المطلوب .

واعلم أن قول من يقول: إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقص مبطلًا ضعيف ، إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجة الله في هذه الآية لأن اليهودي كان يقول معجزات موسى أظهر ، وأبهر من معجزاتك ، فلم يلزم من إثبات النبوة هناك إثباتها هنا ، ولو كان الفرق مقبولًا لسقطت هذه الحجة ، وحيث لا يجوز القول بسقوطها علمنا أن النقض على الإطلاق مبطل والله أعلم .

الحكم الثالث

تفلسف الغزالي فزعم أن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ، وذلك لأن حاصله يرجع إلى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئًا وأحد من البشر ما أنزل الله عليه شيئًا ينتج من الشكل الثاني: أن موسى ما كان من البشر ، وهذا خلف محال ، وليست هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ، ولا بحسب صحة المقدمة الأولى ، فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية ، وهي قولهم: ما أنزل الله على بشر من شيء ، فوجب القول بكونها كاذبة ، فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب ، إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف . والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت