فهرس الكتاب

الصفحة 2886 من 8321

والقول الثاني: أن يحمل { الحى } و { الميت } على ما ذكرناه ، وعلى الوجوه المجازية أيضًا ، وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: يخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس ويخرج اليابس من النبات الحي النامي . الثاني: قال ابن عباس: يخرج المؤمن من الكافر ، كما في حق إبراهيم ، والكافر من المؤمن كما في حق ولد نوح ، والعاصي من المطيع ، وبالعكس . الثالث: قد يصير بعض ما يقطع عليه بأنه يوجب المضرة سببًا للنفع العظيم ، وبالعكس . ذكروا في الطب أن إنسانًا سقوه الأفيون الكثير في الشراب لأجل أن يموت ، فلما تناوله وظن القوم أنه سيموت في الحال رفعوه من موضعه ووضعوه في بيت مظلم فخرجت حية عظيمة فلدغته فصارت تلك اللدغة سببًا لاندفاع ضرر ذلك الأفيون منه ، فإن الأفيون يقتل بقوة برده ، وسم الأفعى يقتل بقوة حره فصارت تلك اللدغة سببًا لاندفاع ضرر الأفيون ، فههنا تولد عما يعتقد فيه كونه أعظم موجبات الشر أعظم الخيرات ، وقد يكون بالعكس من ذلك ، وكل هذه الأحوال المختلفة والأفعال المتدافعة تدل على أن لهذا العالم مدبرًا حكيمًا ما أهمل مصالح الخلق وما تركهم سدى ، وتحت هذه المباحث مباحث عالية شريفة .

البحث الثاني: من مباحث هذه الآية قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم { الميت } مشددة في الكلمتين والباقون بالتخفيف في الكلمتين ، وكذلك كل هذا الجنس في القرآن .

البحث الثالث: أن لقائل أن يقول: إنه قال أولًا: { يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } ثم قال: { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } وعطف الاسم على الفعل قبيح ، فما السبب في اختيار ذلك؟

قلنا: قوله: { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } معطوف على قوله: { فَالِقُ الحب والنوى } وقوله: { يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } كالبيان والتفسير لقوله: { فَالِقُ الحب والنوى } لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحي من الميت ، لأن النامي في حكم الحيوان . ألا ترى إلى قوله { ويحي الأرض بعد موتها } وفيه وجه آخر ، وهو أن لفظ الفعل يدل على أن ذلك الفاعل يعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان . وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة ، وضرب الشيخ عبد القاهر الجرجاني لهذا مثلًا في كتاب «دلائل الإعجاز» فقال: قوله: { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء } إنما ذكره بلفظ الفعل وهو قوله: { يَرْزُقُكُمْ } لأن صيغة الفعل تفيد أنه تعالى يرزقهم حالًا فحالًا وساعة فساعة . وأما الاسم فمثاله قوله تعالى: { وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد } [ الكهف: 18 ] فقوله: { باسط } يفيد البقاء على تلك الحالة الواحدة .

إذا ثبت هدا فنقول: الحي أشرف من الميت ، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي ، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل ، وعن الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيهًا على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي . والله أعلم بمراده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت