فهرس الكتاب

الصفحة 2908 من 8321

وأما القول الثاني: وهو قول من يقول المراد من هذه الشركة: أن الكفار قبلوا قول الجن في عبادة الأصنام ، فهذا في غاية البعد لأن الداعي إلى القول بالشرك لا يجوز تسميته بكونه شريكًا لله لا بحسب حقيقة اللفظ ولا بحسب مجازه ، وأيضًا فلو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لزم وقوع التكرير من غير فائدة ، لأن الرد على عبدة الأصنام وعلى عبدة الكواكب قد سبق على سبيل الاستقصاء ، فثبت سقوط هذين القولين ، وظهر أن الحق هو القول الذي نصرناه وقويناه .

وأما قوله تعالى: { وَخَلَقَهُمْ } ففيه بحثان:

البحث الأول: اختلفوا في أن الضمير في قوله: { خَلَقَهُمْ } إلى ماذا يعود؟ على قولين:

فالقول الأول: إنه عاد إلى { الجن } والمعنى أنهم قالوا الجن شركاء الله ، ثم إن هؤلاء القوم اعترفوا بأن إهرمن محدث ، ثم إن في المجوس من يقول إنه تعالى تفكر في مملكة نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب ، فتولد الشيطان عن ذلك العجب ، ومنهم من يقول شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان ، فهؤلاء معترفون بأن إهرمن محدث ، وأن محدثه هو الله تعالى فقوله تعالى: { وَخَلَقَهُمْ } إشارة إلى هذا المعنى ، ومتى ثبت أن هذا الشيطان مخلوق لله تعالى امتنع جعله شريكًا لله في تدبير العالم ، لأن الخالق أقوى وأكمل من المخلوق ، وجعل الضعيف الناقص شريكًا للقوي الكامل محال في العقول .

والقول الثاني: أن الضمير عائد إلى الجاعلين ، وهم الذين أثبتوا الشركة بين الله تعالى وبين الجن ، وهذا القول عندي ضعيف لوجهين: أحدهما: أنا إذا حملناه على ما ذكرناه صار ذلك اللفظ الواحد دليلًا قاطعًا تامًا كاملًا في إبطال ذلك المذهب ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يظهر منه فائدة وثانيهما: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب ، وأقرب المذكورات في هذه الآية هو الجن ، فوجب أن يكون الضمير عائدًا إليه .

البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» : قرىء { وَخَلَقَهُمْ } أي اختلاقهم للأفك . يعني: وجعلوا الله خلقهم حيث نسبوا ذبائحهم إلى الله في قولهم: { والله أَمَرَنَا بِهَا } .

ثم قال: { وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } وفيه مباحث:

البحث الأول: أقول إنه تعالى حكى عن قوم أنهم أثبتوا إبليس شريكًا لله تعالى . ثم بعد ذلك حكى عن أقوام آخرين أنهم أثبتوا لله بنين وبنات . أما الذين أثبتوا البنين فهم النصارى وقوم من اليهود وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يقولون الملائكة بنات الله وقوله: { بِغَيْرِ عِلْمٍ } كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع في فساد هذا القول وفيه وجوه .

الحجة الأولى: أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته أو لا يكون ، فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلًا بنفسه قائمًا بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر ، ومن كان كذلك لم يكن والد له البتة لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة وأما إن كان ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته ، ومن كان كذلك فيكون عبدًا له ولا ولدًا له ، فثبت أن من عرف أن الإله ما هو ، امتنع منه أن يثبت له البنات والبنين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت