فهرس الكتاب

الصفحة 2952 من 8321

الصفة الثالثة: من صفات كلمات الله كونها عدلًا وفيه وجهان: الأول: أن كل ما حصل في القرآن نوعان ، الخبر والتكليف . أما الخبر فالمراد كل ما أخبر الله عن وجوده أو عن عدمه ويدخل فيه الخبر عن وجود ذات الله تعالى وعن حصول صفاته أعني كونه تعالى عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا ، ويدخل فيه الأخبار عن صفات التقديس والتنزيه كقوله: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [ الإخلاص: 3 ] وكقوله: { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة: 255 ] ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله وكيفية تدبيره لملكوت السموات والأرض وعالمي الأرواح والأجسام ، ويدخل فيه كل أمر عن أحكام الله تعالى في الوعد والوعيد والثواب والعقاب ، ويدخل فيه الخبر عن أحوال المتقدمين ، والخبر عن الغيوب المستقبلة ، فكل هذه الأقسام داخلة تحت الخبر ، وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه سبحانه على عبده سواء كان ذلك العبد ملكًا أو بشر أو جنيًا أو شيطانًا وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء عليهم السلام المتقدمين ، أو في شرائع الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله تعالى .

وإذا عرفت انحصار مباحث القرآن في هذين القسمين فنقول: قال تعالى: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقًا } إن كان من باب الخبر { وَعَدْلًا } إن كان من باب التكاليف ، وهذا ضبط في غاية الحسن .

والقول الثاني: في تفسير قوله: { وَعَدْلًا } أن كل ما أخبر الله تعالى عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد وأن يكون واقعًا ، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بصفة الظلمية .

الصفة الرابعة: من صفات كلمة الله قوله: { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } وفيه وجوه: الأول: أنا بينا أن المراد من قوله: { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } أنها تامة في كونها معجزة دالة على صدق محمد A .

ثم قال: { لاَّ مُبَدّلَ لكلماته } والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبهات في كونها دالة على صدق محمد E إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلائل التي لا تقبل التبديل البتة لأن تلك الدلالة ظاهرة باقية جلية قوية لا تزول بسبب ترهات الكفار وشبهات أولئك الجهال .

والوجه الثاني: أن يكون المراد أنها تبقى مصونة عن التحريف والتغيير كما قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر: 9 ] .

والوجه الثالث: أن يكون المراد أنها مصونة عن التناقض كما قال: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا } [ النساء: 82 ] .

والوجه الرابع: أن يكون المراد أن أحكام الله تعالى لا تقبل التبديل والزوال لأنها أزلية والأزلي لا يزول .

واعلم أن هذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر ، لأنه تعالى لما حكم على زيد بالسعادة وعلى عمرو بالشقاوة ، ثم قال: { لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَات الله } يلزم امتناع أن ينقلب السعيد شقيًا وأن ينقلب الشقي سعيدًا ، فالسعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت