وأما قوله: { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } فالمعنى أن للرسالة موضعًا مخصوصًا لا يصلح وضعها إلا فيه ، فمن كان مخصوصًا موصوفًا بتلك الصفات التي لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولًا وإلا فلا ، والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله تعالى .
واعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة ، فقال بعضهم: النفوس والأرواح متساوية في تمام الماهية ، فحصول النبوة والرسالة لبعضها دون البعض تشريف من الله وإحسان وتفضل . وقال آخرون: بل النفوس البشرية مختلفة بجواهرها وماهياتها ، فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة . وبعضها خسيسة كدرة محبة للجسمانيات ، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول ، لم تصلح لقبول الوحي والرسالة . ثم إن القسم الأول يقع الاختلاف فيه بالزيادة والنقصان والقوة والضعف إلى مراتب لا نهاية لها ، فلا جرم كانت مراتب الرسل مختلفة ، فمنهم من حصلت له المعجزات القوية والتبع القليل ، ومنهم من حصلت له معجزة واحدة أو اثنتان وحصل له تبع عظيم ، ومنهم من كان الرفق غالبًا عليه ، ومنهم من كان التشديد غالبًا عليه ، وهذا النوع من البحث فيه استقصاء ، ولا يليق ذكره بهذا الموضع وقوله تعالى: { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } فيه تنبيه على دقيقة أخرى . وهي: أن أقل ما لا بد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة عن المكر والغدر ، والغل والحسد . وقوله: { لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله } عين المكر والغدر والحسد ، فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات؟ ثم بين تعالى أنهم لكونهم موصوفين بهذه الصفات الذميمة سيُصيبهم صَغار عند الله وعذاب شديد وتقريره أن الثواب لا يتم إلا بأمرين ، التعظيم والمنفعة ، والعقاب أيضًا إنما يتم بأمرين: الإهانة والضرر . والله تعالى توعدهم بمجموع هذين الأمرين ، في هذه الآية ، أما الإهابة فقوله: { سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } وإنما قدم ذكر الصغار على ذكر الضرر ، لأن القوم إنما تمردوا عن طاعة محمد E طلبًا للعز والكرامة ، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم ، فأول ما يوصل إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان ، وفي قوله: { صَغَارٌ عِندَ الله } وجوه: الأول: أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في الآخرة ، حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه . والثاني: أنهم يصيبهم صغار بحكم الله وإيجابه في دار الدنيا ، فلما كان ذلك الصغار هذا حاله ، جاز أن يضاف إلى عند الله . الثالث: أن يكون المراد { سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ } ثم استأنف . وقال: { عَندَ الله } أي معدلهم ذلك ، والمقصود منه التأكيد ، الرابع: أن يكون المراد صغار من عند الله ، وعلى هذا التقدير: فلا بد من إضمار كلمة «من» وأما بيان الضرر والعذاب ، فهو قوله: { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد ، ثم بين أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم .