فهرس الكتاب

الصفحة 2979 من 8321

{ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } [ البينة: 8 ] وذلك يدل على أن حصول كمال صفة العبودية بواسطة صفة العندية .

النوع الثالث: من التشريفات المذكورة في هذه الآية قوله: { وَهُوَ وَلِيُّهُم } والولي معناه القريب ، فقوله: { عِندَ رَبّهِمْ } يدل على قربهم من الله تعالى ، وقوله: { وَهُوَ وَلِيُّهُم } يدل على قرب الله منهم ، ولا نرى في العقل درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة ، وأيضًا فقوله: { وَهُوَ وَلِيُّهُم } يفيد الحصر ، أي لا ولي لهم إلا هو ، وكيف وهذا التشريف إنما حصل على التوحيد المذكور في قوله: { فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا } فهؤلاء الأقوام قد عرفوا من هذه الآية أن المدبر والمقدر ليس إلا هو ، وأن النافع والضار ليس إلا هو ، وأن المسعد والمشقي ليس إلا هو ، وأنه لا مبدىء للكائنات والممكنات إلا هو ، فلما عرفوا هذا انقطعوا عن كل ما سواه ، فما كان رجوعهم إلا إليه ، وما كان توكلهم إلا عليه ، وما كان أنسهم إلا به ، وما كان خضوعهم إلا له ، فلما صاروا بالكلية ، لا جرم قال تعالى: { وَهُوَ وَلِيُّهُم } وهذا إخبار بأنه تعالى متكفل بجميع مصالحهم في الدين والدنيا ، ويدخل فيها الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة وإيصال الخيرات ودفع الآفات والبليات .

ثم قال تعالى: { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وإنما ذكر ذلك لئلا ينقطع المرء عن العمل ، فإن العمل لا بد منه ، وتحقيق القول فيه: أن بين النفس والبدن تعلقًا شديدًا ، فكما أن الهيآت النفسانية قد تنزل من النفس إلى البدن ، مثل ما إذا تصور أمرًا مغضبًا ظهر الأثر عليه في البدن ، فيسخن البدن ويحمى ، فكذلك الهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس ، فإذا واظب الإنسان على أعمال البر والخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس ، وذلك يدل على أن السالك لا بد له من العمل ، وأنه لا سبيل له إلى تركه البتة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت