فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } وبين قوله: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن: 39 ] وقوله: { وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون } [ القصص: 78 ] .
قلنا فيه وجوه: أحدها: أن القوم لا يسألون عن الأعمال ، لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال ، وعن الصوارف التي صرفتهم عنها . وثانيها: أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد والاستفادة ، وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة ، كقول القائل ألم أعطك وقوله تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدمَ } [ ياس: 60 ] قال الشاعر:
ألستم خير من ركب المطايا ... إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لا يسأل أحدًا لأجل الاستفادة والاسترشاد ، ويسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم ، ونظيره قوله تعالى: { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } [ الصافات: 27 ] ثم قال: { فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } [ المؤمنون: 101 ] فإن الآية الأولى تدل على أن المسألة الحاصلة بينهم إنما كانت على سبيل أن بعضهم يلوم بعضًا ، والدليل عليه قول: { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يتلاومون } [ القلم: 30 ] وقوله: { فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } معناه أنه لا يسأل بعضهم بعضًا على سبيل الشفقة واللطف ، لأن النسب يوجب الميل والرحمة والإكرام .
والوجه الثالث: في الجواب: أن يوم القيامة يوم طويل ومواقفها كثيرة ، فأخبر عن بعض الأوقات بحصول السؤال ، وعن بعضها بعدم السؤال .
المسألة الرابعة: الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده ، لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رُسُلًا أو مُرْسَلًا إليهم ، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار .
المسألة الخامسة: الآية تدل على كونه تعالى متعاليًا عن المكان والجهة ، لأنه تعالى قال: { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } ولو كان تعالى على العرش لكان غائبًا عنا .
فإن قالوا: نحمله على أنه تعالى ما كان غائبًا عنهم بالعلم والإحاطة .
قلنا: هذا تأويل والأصل في الكلام حمله على الحقيقة .
فإن قالوا: فأنتم لما قلتم أنه تعالى غير مختص بشيء من الأحياز والجهات ، فقد قلتم أيضًا بكونه غائبًا .
قلنا: هذا باطل لأن الغائب هو الذي يعقل أن يحضر بعد غيبة ، وذلك مشروط بكونه مختصًا بمكان وجهة ، فأما الذي لا يكون مختصًا بمكان وجهة وكان ذلك محالًا في حقه ، امتنع وصفه بالغيبة والحضور ، فظهر الفرق والله أعلم .