فهرس الكتاب

الصفحة 3054 من 8321

أما الوجه الأول: فلهم فيه أعذار . الأول: أن قالوا هذا قول إبليس فهب أن إبليس اعتقد أن خالق الغي والجهل والكفر هو الله تعالى ، إلا أن قوله ليس بحجة . الثاني: قالوا: إن الله تعالى لما أمر بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر غيه وكفره فجاز أن يضيف ذلك الغي إلى الله تعالى بهذا المعنى ، وقد يقول القائل: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضر بك عنده . الثالث: { فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } والمعنى: إنك بما لعنتني بسبب آدم فأنا لأجل هذه العداوة ألقى الوساوس في قلوبهم . الرابع: { رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } [ الحجر: 39 ] أي خيبتني من جنتك عقوبة على عملي لأقعدن لهم .

الوجه الثاني: في تفسير الإغواء الإهلاك ومنه قوله تعالى: { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } [ مريم: 59 ] أي هلاكًا وويلًا ، ومنه أيضًا قولهم: غوى الفصيل يغوي غوى إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه ، ويشارف الهلاك والعطب ، وفسروا قوله: { إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } [ هود: 34 ] إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم الحق ، فهذه جملة الوجوه المذكورة .

واعلم أنا لا نبالغ في بيان أن المراد من الإغواء في هذه الآية الإضلال ، لأن حاصله يرجع إلى قول إبليس وأنه ليس بحجة ، إلا أنا نقيم البرهان اليقيني على أن المغوي لإبليس هو الله تعالى ، وذلك لأن الغاوي لا بد له من مغو ، كما أن المتحرك لا بد له من محرك ، والساكن لا بد له من مسكن ، والمهتدي لا بد له من هاد . فلما كان إبليس غاويًا فلا بد له من مغوي ، والمغوي له إما أن يكون نفسه أو مخلوقًا آخر أو الله تعالى ، والأول: باطل . لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية . والثاني: باطل وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور . والثالث: هو المقصود . والله أعلم .

المسألة الثالثة: الباء في قوله: { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } فيه وجوه: الأول: إنه باء القسم أي بإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي ، بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة ، بأن أزين لهم الباطل ، وما يكسبهم المآثم ، ولما كانت ( الباء ) باء القسم كانت ( اللام ) جواب القسم ( وَمَا ) بتأويل المصدر و { أَغْوَيْتَنِى } صلتها . والثاني: أن قوله: { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } أي فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم ، والمراد إنك لما أغويتني فأنا أيضًا أسعى في إغوائهم . الثالث: قال بعضهم: ( مَا ) في قوله: { فَيمَا أَغْوَيْتَنِى } للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ وقال: { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } وفيه إشكال ، وهو أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على «ما» الاستفهامية قليل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت