فهرس الكتاب

الصفحة 3057 من 8321

المسألة الأولى: في ذكر هذه الجهات الأربع قولان:

القول الأول: أن كل واحد منها مختص بنوع من الآفة في الدين . والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهًا: أحدها: { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } يعني أشككهم في صحة البعث والقيامة { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية . وثانيها: { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } والمعنى أفترهم عن الرغبة في سعادات الآخرة { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } يعني أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها وأحسنها في أعينهم ، وعلى هذين الوجهين فالمراد من قوله: { بَيْن أَيْدِيهِمْ } الآخرة لأنهم يردون عليها ويصلون إليها ، فهي بين أيديهم ، وإذا كانت الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها . وثالثها: وهو قول الحاكم والسدي { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } يعني الدنيا { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } الآخرة ، وإنما فسرنا { بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } بالدنيا ، لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها ويشاهدها ، وأما الآخرة فهي تأتي بعد ذلك . ورابعها: { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } في تكذيب الأنبياء والرسل الذين يكونون حاضرين { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } في تكذيب من تقدم من الأنبياء والرسل .

وأما قوله: { وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } ففيه وجوه: أحدها: { عَنْ أيمانهم } في الكفر والبدعة { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } في أنواع المعاصي . وثانيها: { عَنْ أيمانهم } في الصرف عن الحق { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } في الترغيب في الباطل . وثالثها: { عَنْ أيمانهم } يعني أفترهم عن الحسنات { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أقوى دواعيهم في السيئات . قال ابن الأنباري: وقول من قال ، الأيمان كناية عن الحسنات والشمائل عن السيئات قول حسن ، لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ، يريد اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرين . وروى أبو عبيد عن الأصمعي أنه يقال: هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة ، وإذا خبثت منزلته قال: أنت عندي بالشمال ، فهذا تلخيص ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع . أما حكماء الإسلام فقد ذكروا فيها وجوهًا أخرى . أولها: وهو الأقوى الأشرف أن في البدن قوى أربعًا ، هي الموجبة لقوات السعادات الروحانية ، فإحداها: القوة الخالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ ، وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها ، وإليه الإشارة بقوله: { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } .

والقوة الثانية: القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ، وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ ، وإليها الإشارة بقوله: { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } .

والقوة الثالثة: الشهوة وهي موضوعة في الكبد وهي من يمين البدن .

والقوة الرابعة: الغضب ، وهو موضوع في البطن الأيسر من القلب ، فهذه القوى الأربع هي التي تتولد عنها أحوال توجب زوال السعادات الروحانية والشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع ، لم تقدر على إلقاء الوسوسة ، فهذا هو السبب في تعيين هذه الجهات الأربع ، وهو وجه حقيقي شريف . وثانيها: أن قوله: { لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه . أما في الذات والصفات مثل شبه المجسمة . وأما الأفعال: مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } المراد منه الشبهات الناشئة عن التعطيل ، وإنما جعلنا قوله: { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } لشبهات التشبيه ، لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها ، فهي حاضرة بين يديه ، فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساويًا لهذا الشاهد ، وإنما جعلنا قوله: { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } كناية عن التعطيل ، لأن التشبيه عين التعطيل ، فلما جعلنا قوله: { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } كناية عن التشبيه وجب أن نجعل قوله: { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } كناية عن التعطيل . وأما قوله: { وَعَنْ أيمانهم } فالمراد منه الترغيب في ترك المأمورات { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } الترغيب في فعل المنهيات . وثالثها: نقل عن شقيق C أنه قال: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع ، من بين يدي ومن خلفي ، وعن يميني وعن شمالي . أما من بين يدي فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم . فاقرأ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت