فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 8321

[ الحجر: 89 ] وأشباه ذلك مما يعلم أنه يدل على أمر النبي A بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا ونظروا فيه ، وعليه قوله: { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } [ الشعراء: 16 ] وقوله: { وَقَالَ موسى يافرعون إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين } [ الأعراف: 104 ] وفي قصة السحرة { إِنَّا إِلَى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } [ الأعراف: 125 ] إذ من الظاهر أنه جواب فرعون عن قوله: { ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لكم } [ طه: 71 الشعراء: 49 ] وقال عبد القاهر: والتحقيق أنها للتأكيد وإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه لم يحتج هناك إلى «إن» وإنما يحتاج إليها إذا كان السامع ظن الخلاف ، ولذلك تراها تزداد حسنًا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله كقول أبي نواس:

عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس

وإنماحسن موقعها لأن الغالب أن الناس لا يحملون أنفسهم على اليأس . وأما جعلها مع اللام جوابًا للمنكر في قولك: «إن زيدًا لقائم» فجيد لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد ، وكما يحتمل أن يكون الإنكار من السامع احتمل أيضًا أن يكون من الحاضرين . واعلم أنها قد تجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لا يوجد مثل قولك: إنه كان مني إليه إحسان فعاملني بالسوء ، فكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ في الذي توهمت ، وعليه قوله تعالى حكاية عن أم مريم { قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } [ آل عمران: 36 ] وكذلك قول نوح عليه السلام: { قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ } [ الشعراء: 117 ] .

أما قوله تعالى: { الذين كَفَرُواْ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر ، وتحقيق القول فيه أن كل ما ينقل عن محمد A أنه ذهب إليه وقال به فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبر الواحد . أما القسم الأول: وهو الذي عرف بالضرورة مجيء الرسول عليه السلام به فمن صدقه في كل ذلك فهو مؤمن ، ومن لم يصدقه في ذلك ، فإما بأن لا يصدقه في جميعها أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض ، فذلك هو الكافر ، فإذن الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيئه به ، ومثاله من أنكر وجود الصانع ، أو كونه عالمًا قادرًا مختارًا أو كونه واحدًا أو كونه منزهًا عن النقائص والآفات ، أو أنكر نبوة محمد A أو صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد A كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر ، فذلك يكون كافرًا؛ لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه . فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دينه مثل كونه عالمًا بالعلم أو لذاته وأنه مرئي أو غير مرئي ، وأنه خالق أعمال العباد أم لا فلم ينقل بالتواتر القاطع لعذر مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني ، بل إنما يعلم صحة أحد القولين وبطلان الثاني بالاستدلال ، فلا جرم لم يكن إنكاره ، ولا الإقرار به داخلًا في ماهية الإيمان فلا يكون موجبًا للكفر ، والدليل عليه أنه لو كان ذلك جزء ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول A أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف أنه هل يعرف الحق في تلك المسألة ، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة ، ولنقل ذلك على سبيل التواتر ، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان ، ولا إنكارها موجبًا للكفر ، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة ولا نكفر أرباب التأويل . وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه . فهذا قولنا في حقيقة الكفر . فإن قيل يبطل ما ذكرتم من جهة العكس بلبس الغيار وشد الزنار وأمثالهما فإنه كفر مع أن ذلك شيء آخر سوى ترك تصديق الرسول A فيما علم بالضرورة مجيئه به ، قلنا هذه الأشياء في الحقيقة ليست كفرًا لأن التصديق وعدمه أمر باطن لا اطلاع للخلق عليه ، ومن عادة الشرع أنه لا يبني الحكم في أمثال هذه الأمور على نفس المعنى ، لأنه لا سبيل إلى الاطلاع ، بل يجعل لها معرفات وعلامات ظاهرة ويجعل تلك المظان الظاهرة مدارًا للأحكام الشرعية ، وليس الغيار وشد الزنار من هذا الباب ، فإن الظاهر أن من يصدق الرسول عليه السلام فإنه لا يأتي بهذه الأفعال ، فحيث أتى بها دل على عدم التصديق فلا جرم الشرع يفرع الأحكام عليها ، لا أنها في أنفسها كفر ، فهذا هو الكلام الملخص في هذا الباب والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت