وأما قوله: { وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } فاعلم أنه تعالى لما أمر في الآية الأولى بالتوجه إلى القبلة ، أمر بعده بالدعاء ، والأظهر عندي أن المراد به أعمال الصلاة ، وسماها دعاء ، لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء ، ولأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر ، وبين أنه يجب أن يؤتى بذلك الدعاء مع الإخلاص ، ونطيره قوله تعالى: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ البينة: 5 ] ثم قال تعالى: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } وفيه قولان:
القول الأول: قال ابن عباس: { كَمَا بَدَأَكُمْ } خلقكم مؤمنًا أو كافرًا { تَعُودُونَ } فبعث المؤمن مؤمنًا ، والكافر كافرًا ، فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة ، أعمله بعمل أهل الشقاوة ، وكانت عاقبته الشقاوة ، وان خلقه للسعادة أعمله بعمل أهل السعادة ، وكانت عاقبته السعادة .
والقول الثاني: قال الحسن ومجاهد: { كَمَا بَدَأَكُمْ } خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئًا ، كذلك تعودون أحياء ، فالقائلون بالقول الأول: احتجوا على صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله: { فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة } وهذا يجري مجرى التفسير لقوله: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } وذلك يوجب ما قلناه . قال القاضي: هذا القول باطل ، لأن أحدًا لا يقول إنه تعالى بدأنا مؤمنين أو كافرين ، لأنه لا بد في الإيمان والكفر أن يكون طارئًا وهذا السؤال ضعيف ، لأن جوابه أن يقال: كما بدأكم بالإيمان ، والكفر ، والسعادة ، والشقاوة ، فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة . واعلم أنه تعالى أمر في الآية أولًا بكلمة «القسط» وهي كلمة لا إله إلا الله ، ثم أمر بالصلاة ثانيًا ، ثم بين أن الفائدة في الإتيان بهذه الأعمال ، إنما تظهر في الدار الآخرة ، ونظيره قوله تعالى في «طه» لموسى عليه السلام: { إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى وَأَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } [ طه: 14 ، 15 ] .
ثم قال تعالى: { فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة } وفيه بحثان:
البحث الأول: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله تعالى . قالت المعتزلة: المراد فريقًا هدى إلى الجنة والثواب ، وفريقًا حق عليهم الضلالة ، أي العذاب والصرف عن طريق الثواب . قال القاضي: لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيرهم ، إذ العبد لا يستحق ، لأن يضل عن الدين ، إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين ، كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة ، وفي ذلك زوال الثقة بالنبوات .
واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين: الأول: أن قوله: { فَرِيقًا هدى } إشارة إلى الماضي وعلى التأويل الذي يذكرونه يصير المعنى إلى أنه تعالى سيهديهم في المستقبل ، ولو كان المراد أنه تعالى حكم في الماضي بأنه سيهديهم إلى الجنة ، كان هذا عدولًا عن الظاهر من غير حاجة ، لأنا بينا بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . والثاني: نقول هب أن المراد من الهداية والضلال حكم الله تعالى بذلك ، إلا أنه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره ، وإلا لزم انقلاب ذلك الحكم كذبًا ، والكذب على الله محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فكان صدور غير ذلك الفعل من العبد محالًا ، وذلك يوجب فساد مذهب المعتزلة من هذا الوجه . والله أعلم .