فهرس الكتاب

الصفحة 3078 من 8321

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة . ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء ، إجماعًا ، فبقي الباقي داخلًا تحت اللفظ ، وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة ، وجب أن تفسد الصلاة عند تركه ، لأن تركه يوجب ترك المأمور به ، وترك المأمور به معصية ، والمعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول .

المسألة الثالثة: تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مسألة إزالة النجاسة بماء الورد . فقالوا: أمرنا بالصلاة في قوله: { أَقِيمُواْ الصلاة } [ الأنعام: 72 ] والصلاة عبارة عن الدعاء ، وقد أتى بها ، والإتيان بالمأمور به يوجب الخروج عن العهدة ، فمقتضى هذا الدليل أن لا تتوقف صحة الصلاة على ستر العورة ، إلا أنا أوجبنا هذا المعنى عملًا بقوله تعالى: { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } ولبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ الزينة ، فوجب أن يكون كافيًا في صحة الصلاة .

وجوابنا: أن الألف واللام في قوله: { أَقِيمُواْ الصلاة } ينصرفان إلى المعهود السابق ، وذلك هو عمل الرسول A ، لم قلتم أن الرسول E صلى في الثوب المغسول بماء الورد؟ والله أعلم .

أما قوله تعالى: { وَكُلُواْ واشربوا } فاعلم أنا ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا القليل ، وكانوا لا يأكلون الدسم ، يعظمون بذلك حجهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان فساد تلك الطريقة .

والقول الثاني: أنهم كانوا يقولون أن الله تعالى حرم عليهم شيئًا مما في بطون الأنعام فحرم عليهم البحيرة والسائبة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانًا لفساد قولهم في هذا الباب .

واعلم أن قوله: { وَكُلُواْ واشربوا } مطلق يتناول الأوقات والأحوال ، ويتناول جميع المطعومات والمشروبات ، فوجب أن يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات ، وفي كل المطعومات والمشروبات إلا ما خصه الدليل المنفصل ، والعقل أيضًا مؤكد له ، لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة .

وأما قوله تعالى: { وَلاَ تُسْرِفُواْ } ففيه قولان:

القول الأول: أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ، ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقدارًا كثيرًا يضره ولا يحتاج إليه .

والقول الثاني: وهو قول أبي بكر الأصم: أن المراد من الإسراف ، قولهم بتحريم البحيرة والسائبة ، فإنهم أخرجوها عن ملكهم ، وتركوا الانتفاع بها ، وأيضًا أنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج أيضًا أشياء أحلها الله تعالى لهم ، وذلك إسراف .

واعلم أن حمل لفظ الإسراف على الاستكثار ، مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع من لا يجوز وينبغي .

ثم قال تعالى: { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } وهذا نهاية التهديد ، لأن كل ما لا يحبه الله تعالى بقي محرومًا عن الثواب ، لأن معنى محبة الله تعالى العبد إيصاله الثواب إليه ، فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب ، ومتى لم يحصل الثواب ، فقد حصل العقاب ، لانعقاد الإجماع على أنه ليس في الوجود مكلف ، لا يثاب ولا يعاقب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت