فهرس الكتاب

الصفحة 3080 من 8321

واعلم أن هذا الحديث يدل على أن هذه الشريعة الكاملة تدل على أن جميع أنواع الزينة مباح مأذون فيه ، إلا ما خصه الدليل ، فلهذا السبب أدخلنا الكل تحت قوله: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله } .

المسألة الثانية: مقتضى هذه الآية أن كل ما تزين الإنسان به ، وجب أن يكون حلالًا ، وكذلك كل ما يستطاب وجب أن يكون حلالًا ، فهذه الآية تقتضي حل كل المنافع ، وهذا أصل معتبر في كل الشريعة ، لأن كل واقعة تقع ، فإما أن يكون النفع فيها خالصًا ، أو راجحًا أو الضرر يكون خالصًا أو راجحًا ، أو يتساوى الضرر والنفع ، أو يرتفعا . أما القسمان الأخيران ، وهو أن يتعادل الضرر والنفع ، أو لم يوجدا قط ففي هاتين الصورتين ، وجب الحكم ببقاء ما كان على ما كان ، وإن كان النفع خالصًا ، وجب الإطلاق بمقتضى هذه الآية ، وإن كان النفع راجحًا والضرر مرجوحًا يقابل المثل بالمثل ، ويبقى القدر الزائد نفعًا خالصًا ، فيلتحق بالقسم الذي يكون النفع فيه خالصًا ، وإن كان الضرر خالصًا ، كان تركه خالص النفع ، فيلتحق بالقسم المتقدم ، وإن كان الضرر راجحًا بقي القدر الزائد ضررًا خالصًا ، فكان تركه نفعًا خالصًا ، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة ، ثم إن وجدنا نصًا خالصًا في الواقعة ، قضينا في النفع بالحل ، وفي الضرر بالحرمة ، وبهذا الطريق صار جميع الأحكام التي لا نهاية لها داخلًا تحت النص ثم قال نفاة القياس . فلو تعبدنا الله تعالى بالقياس ، لكان حكم ذلك القياس . إما أن يكون موافقًا لحكم هذا النص العام ، وحينئذ يكون ضائعًا ، لأن هذا النص مستقل به . وإن كان مخالفًا كان ذلك القياس مخصصًا لعموم هذا النص ، فيكون مردودًا لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس . قالوا: وبهذا الطريق يكون القرآن وحده وافيًا ببيان كل أحكام الشريعة ، ولا حاجة معه إلى طريق آخر ، فهذا تقرير قول من يقول: القرآن واف ببيان جميع الوقائع . والله أعلم .

وأما قوله تعالى: { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: تفسير الآية هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم ، لأن المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة ، لا يشركهم فيها أحد .

فإن قيل: هلا قيل للذين آمنوا ولغيرهم؟

قلنا: فهم منه التنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة ، وأن الكفرة تبع لهم ، كقوله تعالى: { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار } [ البقرة: 126 ] والحاصل: أن ذلك تنبيه على أن هذه النعم إنما تصفوا عن شوائب الرحمة يوم القيامة أما في الدنيا فإنها تكون مكدرة مشوبة .

المسألة الثانية: قرأ نافع { خَالِصَةٌ } بالرفع والباقون بالنصب ، قال الزجاج: الرفع على أنه خبر بعد خبر ، كما تقول: زيد عاقل لبيب ، والمعنى: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة . قال أبو علي: ويجوز أن يكون قوله: { خَالِصَةٌ } خبر المبتدأ وقوله: { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } متعلقًا بخالصة . والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا وأما القراءة بالنصب ، فعلى الحال والمعنى: أنها ثابتة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت