فهرس الكتاب

الصفحة 3083 من 8321

فإن قيل: البغي لا يكون إلا بغير الحق ، فما الفائدة في ذكر هذا الشرط .

قلنا أنه مثل قوله تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } [ الإسراء: 33 ] والمعنى: لا تقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر ، إلا أن يكون لكم فيه حق ، فحينئذ يخرج من أن يكون بغيًا .

والنوع الرابع: من المحرمات قوله تعالى: { وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } وفيه سؤال: وهو أن هذا يوهم أن في الشرك بالله ما قد أنزل به سلطانًا ، وجوابه: المراد منه أن الإقرار بالشيء الذي ليس على ثبوته حجة ، ولا سلطان ممتنع ، فلما امتنع حصول الحجة والتنبيه على صحة القول بالشرك ، فوجب أن يكون القول به باطلًا على الإطلاق ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بالتقليد باطل .

والنوع الخامس: من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وقد سبق تفسير هذه الآية في هذه السورة عند قوله: { إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ الأعراف: 28 ] وبقي في الآية سؤالان:

السؤال الأول: كلمة «إنما» تفيد الحصر ، فقوله: { إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ } كذا وكذا يفيد الحصر ، والمحرمات غير محصورة في هذه الأشياء .

والجواب: إن قلنا الفاحشة محمولة على مطلق الكبائر ، والإثم على مطلق الذنب دخل كل الذنوب فيه ، وإن حملنا الفاحشة على الزنا ، والإثم على الخمر قلنا: الجنايات محصورة في خمسة أنواع: أحدها: الجنايات على الأنساب ، وهي إنما تحصل بالزنا ، وهي المراد بقوله: { إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش } وثانيها: الجنايات على العقول ، وهي شرب الخمر ، وإليها الإشارة بقوله: { الإثم } وثالثها: الجنايات على الأعراض . ورابعها: الجنايات على النفوس وعلى الأموال ، وإليهما الإشارة بقوله: { والبغى بِغَيْرِ الحق } وخامسها: الجنايات على الأديان وهي من وجهين: أحدها: الطعن في توحيد الله تعالى ، وإليه الإشارة بقوله: { وَأَن تُشْرِكُواْ بالله } وثانيها: القول في دين الله من غير معرفة ، وإليه الإشارة بقوله: { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فلما كانت أصول الجنايات هي هذه الأشياء ، وكانت البواقي كالفروع والتوابع ، لا جرم جعل تعالى ذكرها جاريًا مجرى ذكر الكل ، فأدخل فيها كلمة «إنما» المفيدة للحصر .

السؤال الثاني: الفاحشة والإثم هو الذي نهى الله عنه ، فصار تقدير الآية: إنما حرم ربي المحرمات ، وهو كلام خال عن الفائدة؟ والجواب: كون الفعل فاحشة هو عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه ، وعلى هذا التقدير: فيسقط السؤال ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت