فهرس الكتاب

الصفحة 3123 من 8321

الحجة الرابعة عشرة: لو كان إله العالم فوق العرش لكان إما أن يكون مماسًا للعرش ، أو مباينًا له ببعد متناه أو ببعد غير متناه ، والأقسام الثلاثة باطلة ، فالقول بكونه فوق العرش باطل .

أما بيان فساد القسم الأول: فهو أن بتقدير أن يصير مماسًا للعرش كان الطرف الأسفل منه مماسًا للعرش ، فهل يبقى فوق ذلك الطرف منه شيء غير مماس للعرش أو لم يبق؟ فإن كان الأول فالشيء الذي منه صار مماسًا لطرف العرش غير ما هو منه غير مماس لطرف العرش ، فيلزم أن يكون ذات الله تعالى مركبًا من الأجزاء والأبعاض فتكون ذاته في الحقيقة مركبة من سطوح متلاقية موضوعة بعضها فوق بعض ، وذلك هو القول بكونه جسمًا مركبًا من الأجزاء والأبعاض وذلك محال ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون ذات الله تعالى سطحًا رقيقًا لا ثخن له أصلًا ، ثم يعود التقسيم فيه ، وهو أنه إن حصل له تمدد في اليمين والشمال والقدام والخلف كان مركبًا من الأجزاء والأبعاض ، وإن لم يكن له تمدد ولا ذهاب في الأحياز بحسب الجهات الستة كان ذرة من الذرات وجزءًا لا يتجزأ مخلوطًا بالهباآت ، وذلك لا يقوله عاقل .

وأما القسم الثاني: وهو أن يقال بينه وبين العالم بعد متناه ، فهذا أيضًا محال ، لأن على هذا التقدير لا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى الجهة التي فيها حصلت ذات الله تعالى إلى أن يصير العالم مماسًا له ، وحينئذ يعود المحال المذكور في القسم الأول .

وأما القسم الثالث: وهو أن يقال أنه تعالى مباين للعالم بينونة غير متناهية ، فهذا أظهر فسادًا من كل الأقسام لأنه تعالى لما كان مباينًا للعالم كانت البينونة بينه تعالى وبين غيره محدودة بطرفين وهما ذات الله تعالى وذات العالم ، ومحصورًا بين هذين الحاصرين ، والبعد المحصور بين الحاصرين والمحدود بين الحدين والطرفين يمتنع كونه بعدًا غير متناه .

فإن قيل: أليس أنه تعالى متقدم على العالم من الأزل إلى الأبد ، فتقدمه على العالم محصور بين حاصرين ومحدود بين حدين وطرفين أحدهما: الأزل ، والثاني: أول وجود العالم ولم يلزم من كون هذا التقدم محصورًا بين حاصرين أن يكون لهذا التقدم أول وبداية ، فكذا ههنا ، وهذا هو الذي عول عليه محمد بن الهيثم في دفع هذا الإشكال عن هذا القسم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت