فهرس الكتاب

الصفحة 3134 من 8321

والثاني: أنه تعالى قال: { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بنيناها وزيناها وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } [ ق: 6 ] فهو تعالى حث على التأمل في أنه كيف بناها ولا معنى لعلم الهيئة إلا التأمل في أنه كيف بناها وكيف خلق كل واحد منها . والثالث: أنه تعالى قال: { لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } [ غافر: 57 ] فبين أن عجائب الخلقة وبدائع الفطرة في أجرام السموات أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس ، ثم أنه تعالى رغب في التأمل في أبدان الناس بقوله: { وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [ الذاريات: 21 ] فما كان أعلى شأنًا وأعظم برهانًا منها أولى بأن يجب التأمل في أحوالها ومعرفة ما أودع الله فيها من العجائب والغرائب . والرابع: أنه تعالى مدح المتفكرين في خلق السموات والأرض فقال: { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } [ آل عمران: 191 ] ولو كان ذلك ممنوعًا منه لما فعل . والخامس: أن من صنف كتابًا شريفًا مشتملًا على دقائق العلوم العقلية والنقلية بحيث لا يساويه كتاب في تلك الدقائق ، فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان: منهم من يعتقد كونه كذلك على سبيل الجملة من غير أن يقف على ما فيه من الدقائق واللطائف على سبيل التفصيل والتعيين ، ومنهم من وقف على تلك الدقائق على سبيل التفصيل والتعيين ، واعتقاد الطائفة الأولى وإن بلغ إلى أقصى الدرجات في القوة والكمال إلا أن اعتقاد الطائفة الثانية يكون أكمل وأقوى وأوفى . وأيضًا فكل من كان وقوفه على دقائق ذلك الكتاب ولطائفه أكثر كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلالته أكمل .

إذا ثبت هذا فنقول: من الناس من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث وكل محدث فله محدث ، فحصل له بهذا الطريق إثبات الصانع تعالى وصار من زمرة المستدلين ، ومنهم من ضم إلى تلك الدرجة البحث عن أحوال العالم العلوي والعالم السفلي على سبيل التفصيل فيظهر له في كل نوع من أنواع هذا العالم حكمة بالغة وأسرار عجيبة ، فيصير ذلك جاريًا مجرى البراهين المتواترة والدلائل المتوالية على عقله ، فلا يزال ينتقل كل لحظة ولمحة من برهان إلى برهان آخر ، ومن دليل إلى دليل آخر ، فلكثرة الدلائل وتواليها أثر عظيم في تقوية اليقين وإزالة الشبهات . فإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذه الفوائد والأسرار لا لتكثير النحو الغريب والاشتقاقات الخالية عن الفوائد والحكايات الفاسدة ، ونسأل الله العون والعِصمة .

المسألة الرابعة: الأمر المذكور في قوله: { مسخرات بِأَمْرِهِ } قد فسرناه بما سبق ذكره ، وأما المفسرون فلهم فيه وجوه: أحدها: المراد نفاذ إرادته لأن الغرض من هذه الآية تبيين عظمته وقدرته ، وليس المراد من هذا الأمر الكلام ، ونظيره في قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت