المسألة الثالثة: اعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه ، فقد اعتدى وتعدى فيدخل تحت قوله: { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } وقد بينا أن من لا يحبه الله فإنه يعذبه ، فظاهر هذه الآية يقتضي أن كل من خالف أمر الله ونهيه ، فإنه يكون معاقبًا ، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، وقالوا لا يجوز أن يقال المراد منه الاعتداء في رفع الصوت بالدعاء وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ { المعتدين } لفظ عام دخله الألف واللام ، فيفيد الاستغراق غايته أنه إنما ورد في هذه الصورة لكنه ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . الثاني: أن رفع الصوت بالدعاء ليس من المحرمات بل غايته أن يقال الأولى تركه ، وإذا لم يكن من المحرمات لم يدخل تحت هذا الوعيد .
والجواب المستقصى ما ذكرناه في سورة البقرة أن التمسك بهذه العمومات لا يفيد القطع بالوعيد .
ثم قال تعالى: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض بَعْدَ إصلاحها } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قوله: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض بَعْدَ إصلاحها } معناه ولا تفسدوا شيئًا في الأرض ، فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء ، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل ، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة ، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة وسبب القذف ، وإفساد العقول بسبب شرب المسكرات ، وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة: النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول . فقوله: { وَلاَ تُفْسِدُواْ } منع عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود ، والمنع من إدخال الماهية في الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه ، فيتناول المنع من الإفساد في هذه الأقسام الخمسة ، وأما قوله: { بَعْدَ إصلاحها } فيحتمل أن يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق لمصالح المكلفين ، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال: لما أصلحت مصالح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها ، ولا تقدموا على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع ، فإن ذلك يقتضي وقوع الهرج والمرج في الأرض ، فيحصل الإفساد بعد الإصلاح ، وذلك مستكره في بداهة العقول .
المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الإطلاق .
إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصًا خاصًا دل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديمًا للخاص على العام وإلا بقي على التحريم الذي دل عليه هذا النص .
واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق } [ الأعراف: 32 ] أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل ، ثم بينا أنه لما كان الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام الله تعالى ، فكذلك في هذه الآية أنها تدل على أن الأصل في المضار والآلام ، الحرمة .