فهرس الكتاب

الصفحة 3148 من 8321

إذا عرفت هذا فنقول: أما على القول الأول: فوجه وجوب بعض الأعمال ، وحرمة بعضها مجرد أمر الله بما أوجبه ونهيه عما حرمه ، فمن أتى بهذه العبادات صحت . أما من أتى بها خوفًا من العقاب ، أو طمعًا في الثواب ، وجب أن لا يصح ، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها ، وأما على القول الثاني: فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح ، فمن أتى بها للخوف من العقاب ، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها ، فوجب أن لا تصح ، فثبت أن على كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب ، والطمع في الثواب ، وجب أن لا يصح .

إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر قوله: { وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا } يقتضي أنه تعالى أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض ، وقد ثبت بالدليل فساده ، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول .

والجواب: ليس المراد من الآية ما ظننتم ، بل المراد: وادعوه مع الخوف من وقوع التقصير ، في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ، ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل؟

السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على أن الداعي لا بد وأن يحصل في قلبه هذا الخوف والطمع؟

والجواب: أن العبد لا يمكنه أن يقطع بكونه آتيًا بجميع الشرائط المعتبرة في قبول الدعاء ، ولأجل هذا المعنى يحصل الخوف ، وأيضًا لا يقطع بأن تلك الشرائط مفقودة ، فوجب كونه طامعًا في قبولها فلا جرم .

قلنا: بأن الداعي لا يكون داعيًا إلا إذا كان كذلك فقوله: { خَوْفًا وَطَمَعًا } أي أن تكونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم ، ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد أديتم حق ربكم . ويتأكد هذا بقوله: { يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } [ المؤمنون: 60 ] .

ثم قال تعالى: { إن رحمة الله قَريِب من المحسنين } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن الرحمة عبارة عن إيصال الخير والنعمة أو عن إرادة إيصال الخير والنعمة ، فعلى التقدير الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال ، وعلى هذا التقدير الثاني تكون من صفات الذات ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } [ الفاتحة: 1 ] .

المسألة الثانية: قال بعض أصحابنا: ليس لله في حق الكافر رحمة ولا نعمة . واحتجوا بهذه الآية ، وبيانه: أن هذه الآية تدل على أن كل ما كان رحمة فهي قريبة من المحسنين ، فيلزم أن يكون كل ما لا يكون قريبًا من المحسنين ، أن لا يكون رحمة ، والذي حصل في حق الكافر غير قريب من المحسنين ، فوجب أن لا يكون رحمة من الله ولا نعمة منه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت