ثم قال تعالى: { تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا } قوله: { تِلْكَ } مبتدأ { والقرى } صفة و { نَقُصُّ عَلَيْكَ } خبر ، والمراد بتلك القرى قرى الأقوام الخمسة الذين وصفهم فيما سبق ، وهم: قوم نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، نقص عليك من أخبارها كيف أهلكت . وأما أخبار غير هؤلاء الأقوام ، فلم نقصها عليك ، وإنما خص الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق ، فذكرها الله تعالى تنبيهًا لقوم محمد E عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال .
ثم عزاه الله تعالى بقوله: { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } يريد الأنبياء الذين أرسلوا إليهم وقوله: { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } فيه قولان: الأول: قال ابن عباس والسدي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم ، فآمنوا كرهًا ، وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب . الثاني: قال الزجاج: { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به قبل رؤية تلك المعجزات . الثالث: ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم ، ونظيره قوله: { وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [ الأَنعام: 28 ] الرابع: قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على الكفر ، فهؤلاء ما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل أيضًا . الخامس: ليؤمنوا في الزمان المستقبل .
ثم إنه تعالى بين السبب في عدم هذا القبول فقال: { كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين } قال الزجاج: والكاف في { كذلك } نصب ، والمعنى: مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية ، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أن لا يؤمنوا أبدًا والله أعلم بحقائق الأمور .