فهرس الكتاب

الصفحة 3204 من 8321

والقول الثالث: وهو قول المعتزلة فإنهم يجوزون انخراق العادات وانقلابها عن مجاريها في بعض الصور دون بعض ، فأكثر شيوخهم يجوزون حدوث الإنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين ، ويجوزون انقلاب الماء نارًا وبالعكس ، ويجوزون حدوث الزرع لا عن سابقة بذر . ثم قالوا إنه لا يجوز أن يكون الجوهر الفرد موصوفًا بالعلم والقدرة والحياة ، بل صحة هذه الأشياء مشروطة بحصول بنية مخصوصة ومزاج مخصوص ، وزعموا أن عند كون الحاسة سليمة وكون المرئي حاضرًا وعدم القرب القريب والبعد البعيد يجب حصول الإدراك وعند فقدان أحد هذه الشروط يمتنع حصول الإدراك ، وبالجملة فالمعتزلة في بعض الصور لا يعتبرون مجاري العادات ويزعمون أن انقلابها ممكن وانخراقها جائز ، وفي سائر الصور يزعمون أنها واجبة ويمتنع زوالها وانقلابها ، وليس لهم بين الناس قانون مضبوط ولا ضابط معلوم ، فلا جرم كان قولهم أدخل الأقاويل في الفساد .

إذا عرفت هذه التفاصيل فنقول: ذوات الأجسام متماثلة في تمام الماهية وكل ما صح على الشيء صح على مثله ، فوجب أن يصح على كل جسم ما صح على غيره ، فإذا صح على بعض الأجسام صفة من الصفات وجب أن يصح على كلها مثل تلك الصفة ، وإذا كان كذلك كان جسم العصا قابلًا للصفات التي باعتبارها تصير ثعبانًا ، وإذا كان كذلك كان انقلاب العصا ثعبانًا أمرًا ممكنًا لذاته ، وثبت أنه تعالى قادر على جميع الممكنات ، فلزم القطع بكونه تعالى قادرًا على قلب العصا ثعبانًا ، وذلك هو المطلوب ، وهذا الدليل موقوف على إثبات مقدمات ثلاث: إثبات أن الأجسام متماثلة في تمام الذات ، وإثبات أن حكم الشيء حكم مثله ، وإثبات أنه تعالى قادر على كل الممكنات ومتى قامت الدلالة على صحة هذه المقدمات الثلاثة فقد حصل المطلوب التام والله أعلم . قوله: { فَإِذَا هِىَ } أي العصا وهي مؤنثة ، والثعبان الحية الضخمة الذكر في قول جميع أهل اللغة . فأما مقدارها فغير مذكور في القرآن ، ونقل عن المفسرين في صفتها أشياء ، فعن ابن عباس: إنها ملأت ثمانين ذراعًا ثم شدت على فرعون لتبتلعه فوثب فرعون عن سريره هاربًا وأحدث ، وانهزم الناس ومات منهم خمسة وعشرون ألفًا . وقيل: كان بين لحييها أربعون ذراعًا ووضع لحيها الأسفل على الأرض ، والأعلى على سور القصر ، وصاح فرعون يا موسى خذها فأنا أومن بك ، فلما أخذها موسى عادت عصا كما كانت ، وفي وصف ذلك الثعبان بكونه مبينًا وجوه: الأول: تمييز ذلك عما جاءت به السحرة من التمويه الذي يلتبس على من لا يعرف سببه ، وبذلك تتميز معجزات الأنبياء من الحيل والتمويهات . والثاني: في المراد أنهم شاهدوا كونه حية لم يشتبه الأمر عليهم فيه . الثالث: المراد أن ذلك الثعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي الكاذب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت