واعلم أن على جميع الوجوه والاحتمالات فالقوم أرادوا بذكر هذا الكلام حمل فرعون على أخذ موسى عليه السلام ، وحبسه ، وإنزال أنواع العذاب به ، فعند هذا لم يذكر فرعون ما هو حقيقة الحال وهو كونه خائفًا من موسى عليه السلام . ولكنه قال: { سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْىِ نِسآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير { سَنُقَتِّلُ } بفتح النون والتخفيف ، والباقون بضم النون والتشديد على التكثير . يعني أبناء بني إسرائيل ومن آمن بموسى عليه السلام .
المسألة الثانية: أن موسى عليه السلام إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ، وذلك بأن نقتل أبناء بني إسرائيل ونستحيي نساءهم . ثم بين أنه قادر على ذلك بقوله: { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } والمقصود منه ترك موسى وقومه ، لا من عجز وخوف ، ولو أراد به البطش لقدر عليه ، كأنه يوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه ولعدم خوفه منه . واختلف المفسرون ، فمنهم من قال: كان يفعل ذلك كما فعله ابتداء عند ولادة موسى ، ومنهم من قال بل منع منه واتفق المفسرون على أن هذا التهديد وقع في غير الزمان الأول ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: { استعينوا بالله واصبروا } وهذا يدل على أن الذي قاله الملأ لفرعون ، والذي قال فرعون لهم قد عرفه موسى عليه السلام ووصل إليه ، فعند ذلك فال لقومه { استعينوا بالله واصبروا إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ ُمِنْ عِبَادِهِ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } فههنا أمرهم بشيئين وبشرهم بشيئين . أما الذان أمر موسى عليه السلام بهما؛ فالأول: الاستعانة بالله تعالى . والثاني: الصبر على بلاء الله . وإنما أمرهم أولًا بالاستعانة بالله وذلك لأن من عرف أنه لا مدبر في العالم إلا الله تعالى انشرح صدره بنور معرفة الله تعالى وحينئذ يسهل عليه أنواع البلاء ، ولأنه يرى عند نزول البلاء أنه إنما حصل بقضاء الله تعالى وتقديره . واستعداده بمشاهدة قضاء الله ، خفف عليه أنواع البلاء ، وأما الذان بشر بهما؛ فالأول: قوله: { إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } وهذا إطماع من موسى عليه السلام قومه في أن يورثهم الله تعالى أرض فرعون بعد إهلاكه ، وذلك معنى الإرث ، وهو جعل الشيء للخلف بعد السلف . والثاني: قوله: { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } فقيل: المراد أمر الآخرة فقط ، وقيل: المراد أمر الدنيا فقط وهو: الفتح ، والظفر ، والنصر على الأعداء ، وقيل المراد مجموع الأمرين ، وقوله: { لّلْمُتَّقِينَ } إشارة إلى أن كل من اتقى الله تعالى وخافه فالله يعينه في الدنيا والآخرة .