والجواب: هو أن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة والسكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجودًا كان واجب الوجود ، ولو أخذته بشرط كونه معدومًا كان واجب العدم ، فلو أخذته من حيث هو هو مع قطع النظر عن كونه موجودًا أو كونه معدومًا كان ممكن الوجود فكذا ههنا الذي جعل شرطًا في اللفظ هو استقرار الجبل ، وهذا القدر ممكن الوجود فثبت أن القدر الذي جعل شرطًا أمر ممكن الوجود جائز الحصول ، وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه والله أعلم .
الحجة الرابعة: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية قوله تعالى: { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } وهذا التجلي هو الرؤية ، ويدل عليه وجهان: الأول: إن العلم بالشيء يجلي لذلك الشيء ، وإبصار الشيء أيضًا يجلي لذلك الشيء . إلا أن الإبصار في كونه مجليًا أكمل من العلم به وحمل اللفظ على المفهوم الأكمل أولى . الثاني: أن المقصود من ذكر هذه الآية تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه ولولا أن المراد من التجلي ما ذكرناه وإلا لم يحصل هذا المقصود . فثبت أن قوله تعالى: { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } هو أن الجبل لما رأى الله تعالى اندكت أجزاؤه ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب أن يقال: الجبل جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئًا ، إلا أنا نقول: لا يمتنع أن يقال: إنه تعالى خلق في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم ، ثم خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى ، والدليل عليه أنه تعالى قال: { ياجبال أَوّبِى مَعَهُ والطير } [ سبأ: 10 ] وكونه مخاطبًا بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل فيه فكذا ههنا ، فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنه تعالى جائز الرؤية . أمنا المعتزلة فقالوا: إنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية أنه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه الظواهر إلى التأويلات .