فهرس الكتاب

الصفحة 3294 من 8321

فإن قال قائل: فما المختار عندكم فيه؟

قلنا: ههنا مقامان: أحدهما: أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذَّر؟ والثاني: أن بتقدير أن يصح القول به ، فهل يمكن جعله تفسيرًا لألفاظ هذه الآية؟

أما المقام الأول: فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها وقررناها ، ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع .

أما الوجه الأول: من الوجوه العقلية المذكورة ، وهو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن .

قلنا: خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية . والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى ، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها .

فإن قالوا: فإذا جوزتم هذا ، فجوزوا أن يقال: إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان

قلنا: الفرق بين الأمرين ظاهر وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى ، وبقينا فيها سنين ودهورًا ، امتنع في مجرى العادة نسيانها ، أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان ، وأقل وقت فلم يبعد حصول النسيان فيه ، والفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق ، لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساه ، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساه ، فقد ظهر الفرق .

وأما الوجه الثاني: وهو أن يقال: مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في ظهر آدم عليه السلام . قلنا: عندنا البنية ليست شرطًا لحصول الحياة ، والجوهر الفرد الذي لا يتجزأ ، قابل للحياة والعقل ، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهرًا فردًا ، فلم قلتم إن ظهر آدم عليه السلام لا يتسع لمجموعها؟ إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا: الإنسان جوهر فرد . وجزء لا يتجزأ في البدن . على ما هو مذهب بعض القدماء ، وأما إذا قلنا: الإنسان هو النفس الناطقة ، وإنه جوهر غير متحيز ، ولا حالَّ في المتحيز فالسؤال زائل .

وأما الوجه الثالث: وهو قوله فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا؟

فجوابنا أن نقول: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضًا أليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال ، وإنطاق الجوارح قالوا: لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف؟ فكذا ههنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف . وقيل أيضًا إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة وبقية الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين .

وأما المقام الثاني: وهو أن بتقدير أن يصح القول بأخد الميثاق من الذر . فهل يمكن جعله تفسيرًا لألفاظ هذه الآية؟ فنقول الوجوه الثلاثة المذكورة أولًا دافعة لذلك لأن قوله: { أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } فقد بينا أن المراد منه ، وإذا أخذ ربك من ظهور بني آدم ، وأيضًا لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال من ظهره ذريته ولم يقل من ظهورهم ذريتهم . أجاب الناصرون لذلك القول: بأنه صحت الرواية عن رسول الله A أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه والطعن في تفسير رسول الله غير ممكن . فنقول: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذر من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان وذلك الفلان فلان آخر ، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض ، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم ، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته وليس في الآية أيضًا ما يدل على بطلانه ، إلا أن الخبر قد دل عليه ، فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن ، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر ، وعلى هذا التقدير: فلا منافاه بين الأمرين ولا مدافعة ، فوجب المصير إليهما معًا . صونًا للآية . والخبر عن الطعن بقدر الإمكان ، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت