{ وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } [ النحل: 15 ] يريد لئلا تميد بكم ، هذا قول الكوفيين ، وعند البصريين تقريره: شهدنا كراهة أن يقولوا .
والقول الثاني: أن قوله: { شَهِدْنَا } من بقية كلام الذرية ، وعلى هذا التقرير ، فقوله: { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } متعلق بقوله: { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } والتقدير: وأشهدهم على أنفسهم ، بكذا وكذا ، لئلا يقولوا يوم القيامة { إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير ، فلا يجوز الوقف عند قوله: { شَهِدْنَا } لأن قوله: { أَن يَقُولُواْ } متعلق بما قبله وهو قوله: { وَأَشْهَدَهُمْ } فلم يجز قطعه منه . واختلف القراء في قوله: { أَن يَقُولُواْ } أو تقولوا: فقرأ أبو عمرو بالياء جميعًا ، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله: { مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْوَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } وقرأ الباقون بالتاء ، لأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله: { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا } وكلا الوجهين حسن ، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى .
أما قوله: { أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ } قال المفسرون: المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد أن لا يقول الكفار إنما أشركنا ، لأن آباءنا أشركوا ، فقلدناهم في ذلك الشرك ، وهو المراد من قوله: { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون } والحاصل: أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم التمسك بهذا القدر . وأما الذين حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل . قالوا: معنى الآية إنا نصبنا هذه الدلائل ، وأظهرناها للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة { إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } فما نبهنا عليه منبه أو كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا ، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم ، فلا عذر لهم في الإعراض عنه ، والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء .
ثم قال: { وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الأيات } والمعنى: أن مثل ما فصلنا وبينا في هذه الآية ، بينا سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل ، وهو المراد من قوله: { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وقيل: أي ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد ، وفي الآية قول ثالث؛ وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان ، والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها ، وهذا العلم ليس يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب ، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقلية غامضة ، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب ، والله أعلم .