فهرس الكتاب

الصفحة 3298 من 8321

والقول الثاني: ما ذكره أبو مسلم C ، فقال قوله: { ءاتيناه ءاياتنا } أي بيناها فلم يقبل وعرى منها ، وسواء قولك: انسلخ ، وعرى ، وتباعد ، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة ، وأقام على الكفر ، ونظيره قوله تعالى: { يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب آمنوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا } [ النساء: 47 ] وقال في حق فرعون: { وَلَقَدْ أريناه ءاياتنا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وأبى } [ طه: 56 ] وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون ، فإنه تعالى أرسل إليه موسى وهارون ، فأعرض وأبى ، وكان عاديًا ضالًا متبعًا للشيطان .

واعلم أن حاصل الفرق بين القولين: هو أن هذا الرجل في القول الأول ، كان عالمًا بدين الله وتوحيده ، ثم خرج منه ، وعلى القول الثاني لما آتاه الله الدلائل والبينات امتنع من قبولها ، والقول الأول أولى ، لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها ، وأيضًا فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالمًا بدين الله تعالى ، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال .

أما قوله: { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } ففيه وجوه: الأول: أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم ، أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعًا له . والثاني: قال عبد الله بن مسلم { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } أي أدركه . يقال: أتبعت القوم . أي لحقتهم . قال أبو عبيدة: ويقال: أتبعت القوم ، مثال: أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم . ويقال: ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم . أي حتى أدركتهم . وقوله { فَكَانَ مِنَ الغاوين } أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين . قال أهل المعاني: المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى ، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى ، ومال إلى الدنيا ، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى البوار والردى ، وخاب في الآخرة والأولى ، فذكر الله قصته ليحذر الناس عن مثل حالته . وقوله: { وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا } قال أصحابنا معناه: ولو شئنا رفعناه للعمل بها ، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته ، ولفظة ( لَوْ ) تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان ، وقد يريد الكفر . وقالت المعتزلة: لفظ الآية يحتمل وجوهًا أخرى سوى هذا الوجه . فالأول: قال الجبائي معناه: ولو شئنا لرفعناه بأعماله ، بأن نكرمه ، ونزيل التكليف عنه ، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة ، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة ، فأبى أن يستمر على الإيمان . الثاني: لو شئنا لرفعناه ، بأن نحول بينه وبين الكفر ، قهرًا وجبرًا ، إلا أن ذلك ينافي التكليف . فلا جرم تركناه مع اختياره .

والجواب عن الأول: أن حمل الرفعة على الإماتة بعيد ، وعن الثاني: أنه تعالى إذا منعه منه قهرًا ، لم يكن ذلك موجبًا للثواب والرفعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت