والجواب: أن الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شيء ، صارت تلك النفرة المتأكدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشيء ، ومانعة عن إبصار محاسنه وفضائله ، وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل عافل من نفسه . ولهذا السبب قالوا في المثل المشهور حبك الشيء يعمي ويصم .
إذا ثبت هذا فنقول: إن أقوامًا من الكفار بلغوا في عداوة الرسول E وفي بغضه وفي شدة النفرة عن قبول دينه والاعتراف برسالته هذا المبلغ وأقوى منه ، والعلم الضروري حاصل بأن حصول البغض والحب في القلب ليس باختيار الإنسان ، بل هو حاصل في القلب شاء الإنسان أم كره .
إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أن حصول هذه النفرة والعداوة في القلب ليس باختيار العبد ، وثبت أنه متى حصلت هذه النفرة والعداوة في القلب ، فإن الإنسان لا يمكنه مع تلك النفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم والعلم ، وإذا ثبت هذا ثبت القول بالجبر لزومًا لا محيص عنه . ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خطبة في تقرير هذا المعنى وهو في غاية الحسن . روى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب «مناقب الشافعي» رضي الله تعالى عنه عن علي بن أبي طالب Bه أنه خطب الناس فقال وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها ، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع ، وإن هاج له الطمع أهلكه الحرص ، وإن أهلكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط ، وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته المصيبة قتله الجزع ، وإن وجد مالًا أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد وأقول: هذا الفصل في غاية الجلالة والشرف ، وهو كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر ، لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب ، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها ، وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر ، وذكر الشيخ الغزالي C في كتاب «الإحياء» فصلًا في تقرير مذهب الجبر .
ثم قال فإن قيل: إني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت ، وإن شئت الترك تركت ، فيكون فعلي حاصلًا بي لا بغيري ثم قال: وهب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئًا شئته ، وإن شئت أن لا تشاء لم تشأه ، ما أظنك أن تقول ذلك ، وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له: بل شئت أو لم تشأ فإنك تشاء ذلك الشيء ، وإذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته ، فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك فالإنسان مضطر في صورة مختار .