فهرس الكتاب

الصفحة 3318 من 8321

وأما قوله: { وأملى لَهُمْ } فمعناه: أني أبقيهم في الدنيا مع إصرارهم على الكفر ، ولا أعاجلهم بالعقوبة لأنهم لا يفوتونني ولا يعجزونني ، وهذا معنى قوله: { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } لأن كيده هو عذابه ، وسماه كيدًا لنزوله بالعباد من حيث لا يشعرون .

والجواب عنه من وجهين: الأول: أن قوله: { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم } معناه: ما ذكرنا أنهم كلما زادوا تماديًا في الذنب والكفر ، زادهم الله نعمة وخيرًا في الدنيا ، فيصير فوزهم بلذات الدنيا سببًا لتماديهم في الإعراض عن ذكر الله وبعدًا عن الرجوع إلى طاعة الله ، هذه حالة نشاهدها في بعض الناس ، وإذا كان هذا أمرًا محسوسًا مشاهدًا فكيف يمكن إنكاره . الثاني: هب أن المراد منه الاستدراج إلى العقاب ، إلا أن هذا أيضًا يبطل القول بأنه تعالى ما أراد بعبده إلا الخير والصلاح ، لأنه تعالى لما علم أن هذا الاستدراج ، وهذا الإمهال مما قد يزيد به عتوًا وكفرًا وفسادًا واستحقاق العقاب الشديد ، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجبًا لتلك الزيادات من العقوبة بل لكان يجب في حكمته ورعايته للمصالح أن لا يخلقه ابتداء صونًا له عن هذا العقاب ، أو أن يخلقه لكنه يميته قبل أن يصير في حد التكليف ، أو أن لا يخلقه إلا في الجنة ، صونًا له عن الوقوع في آفات الدنيا وفي عقاب الآخرة ، فلما خلقه في الدنيا وألقاه في ورطة التكليف . وأطال عمره ومكنه من المعاصي مع علمه بأن ذلك لا يفيد إلا مزيد الكفر والفسق واستحقاق العقاب ، علمنا أنه ما خلقه إلا للعذاب وإلا للنار ، كما شرحه في الآية المتقدمة ، وهي قوله: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } [ الأعراف: 179 ] وأنا شديد التعجب من هؤلاء المعتزلة ، فإنهم يرون القرآن كالبحر الذي لا ساحل له مملوأ من هذه الآيات والدلائل العقلية القاهرة القاطعة مطابقة لها ، ثم إنهم يكتفون في تأويلات هذه الآيات بهذه الوجوه الضعيفة والكلمات الواهية ، إلا أن علمي بأن ما أراده الله كائن يزيل هذا التعجب ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت