فهرس الكتاب

الصفحة 3344 من 8321

« من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب » وأما الاعتقاد الثاني والثالث: وهو اعتقاده في نفسه كونه قادرًا ، وكون المغضوب عليه عاجزًا ، فهذان الاعتقادان أيضًا فاسدان من وجوه: أحدها: أنه يعتقد أنه كم أساء في العمل ، والله كان قادرًا عليه ، وهو كان أسيرًا في قبضة قدرة الله تعالى ، ثم إنه تجاوز عنه . وثانيها: أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان ، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة إلى قدرة الله . وثالثها: أن يتذكر الغضبان ما أمره الله به من ترك إمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش . ورابعها: أن يتذكر أنه إذا أمضى الغضب وانتقم كان شريكًا للسباع المؤذية والحياة القاتلة ، وإن ترك الانتقام واختار العفو كان شريكًا لأكابر الأنبياء والأولياء . وخامسها: أن يتذكر أنه ربما انقلب ذلك الضعيف قويًا قادرًا عليه ، فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه ، أما إذا عفا كان ذلك إحسانًا منه إليه ، وبالجملة فالمراد من قوله تعالى: { إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ } ما ذكرناه من الاعتقادات الثلاثة ، والمراد من قوله: { تَذَكَّرُواْ } ما ذكرناه من الوجوه التي تفيد ضعف تلك الاعتقادات وقوله: { فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } معناه أنه إذا حضرت هذه التذكرات في عقولهم ، ففي الحال يزول مس طائف الشيطان ، ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي ويحصل الخلاص من وسوسة الشيطان .

المسألة الرابعة: قوله: { فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } معنى ( إِذَا ) ههنا للمفاجأة ، كقولك خرجت فإذا زيد وإذا في قوله: { إِذَا مَسَّهُمْ } يستدعي جزاء ، كقولك آتيك إذا احمر البسر .

أما قوله تعالى: { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن الكناية في قوله: { وإخوانهم } إلى ماذا تعود على قولين .

القول الأول: وهو الأظهر أن المعنى: وإخوان الشياطين يمدون الشياطين في الغي ، وذلك لأن شياطين الأنس إخوان لشياطين الجن ، فشياطين الإنس يغوون الناس ، فيكون ذلك إمدادًا منهم لشياطين الجن على الإغواء والإضلال .

والقول الثاني: أن إخوان الشياطين هم الناس الذين ليسوا بمتقين ، فإن الشياطين يكونون مددًا لهم فيه ، والقولان مبنيان على أن لكل كافر أخًا من الشياطين .

المسألة الثانية: تفسير الإمداد تقوية تلك الوسوسة والإقامة عليها وشغل النفس عن الوقوف على قبائحها ومعايبها .

المسألة الثالثة: قرأ نافع { يَمُدُّونَهُمْ } بضم الياء وكسر الميم من الإمداد ، والباقون { يَمُدُّونَهُمْ } بفتح الياء وضم الميم ، وهما لغتان مد يمد وأمد يمد ، وقيل مد معناه جذب ، وأمد معناه من الإمداد . قال الواحدي ، عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت ، كقوله: { أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } [ المؤمنون: 55 ] وقوله { وأمددناهم بفاكهة } [ الطور: 22 ] وقوله: { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } [ النمل: 36 ] وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال: { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } [ البقرة: 15 ] فالوجه ههنا قراءة العامة وهي فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله: { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الإنشقاق: 24 ] وقوله: { ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } قال الليث: الإقصار الكف عن الشيء قال أبو زيد: أقصر فلان عن الشر يقصر إقصارًا إذا كف عنه وانتهى قال ابن عباس: ثم لا يقصرون عن الضلال والإضلال ، أما الغاوي ففي الضلال وأما المغوي ففي الإضلال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت