فهرس الكتاب

الصفحة 3351 من 8321

"جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة"وثالثها: خوف أني كيف أقابل نعمة الله التي لا حصر لها ولا حد بطاعاتي الناقصة وأذكاري القاصرة؟ وكان الشيخ أبو بكر الواسطي يقول: الشكر شرك ، فسألوني عن هذه الكلمة فقلت: لعل المراد والله أعلم أن من حاول مقابلة وجوه إحسان الله بشكره فقد أشرك . لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد يقول: منك النعمة ومني الشكر ، ولا شك أن هذا شرك ، فأما إذا أتى بالشكر مع خوف التقصير ومع الاعتراف بالذل والخضوع ، فهناك يشم فيه رائحة العبودية .

وأما القراءة الثانية: وهو قوله: { وَخُفْيَةً } فالإخفاء في حق المبتدين يراد لصون الطاعات عن شوائب الرياء والسمعة ، وفي حق المنتهين المقربين منشؤه الغيرة ، وذلك لأن المحبة إذا استكملت أوجبت الغيرة ، فإذا كمل هذا التوغل وحصل الفناء ، وقع الذكر في حين الإخفاء بناء على قوله عليه السلام:"من عرف الله كل لسانه"

القيد الرابع: قوله: { وَدُونَ الجهر مِنَ القول } والمراد منه أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطًا بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى: { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلًا } [ الإسراء: 110 ] وقال عن زكريا عليه السلام: { إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا } [ مريم: 3 ] قال ابن عباس: وتفسير قوله: { وَدُونَ الجهر مِنَ القول } المعنى أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه ، فإن المراد حصول الذكر اللساني ، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع نفسه ، فإنه يتأثر الخيال من ذلك الذكر ، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر القلبي الروحاني ، ولا يزال يتقوى كل واحد من هذه الأركان الثلاثة ، وتنعكس أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض ، وتصير هذه الانعكاسات سببًا لمزيد القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام .

والقيد الخامس: قوله: { بالغدو والأصال } وههنا مسائل:

المسألة الأولى: في لفظ «الغدو» قولان:

القول الأول: أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدوًا غدوا ، ومنه قوله تعالى: { غُدُوُّهَا شَهْرٌ } [ سبأ: 12 ] أي غدوها للسير ، ثم سمى وقت الغدو غدوًا ، كما يقال: دنا الصباح أي وقته ، ودنا المساء أي وقته .

القول الثاني: أن يكون الغدو جمع غدوة ، قال الليث: الغدو جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة ، وأما { الآصال } فقال الفراء: واحدها أصل وواحد الأصل الأصيل . قال يقال جئناهم مؤصلين أي عند الآصال ، ويقال الأصيل مأخوذ من الأصل واليوم بليلته ، إنما يبتدأ بالشروع من أول الليل وآخر نهار كل يوم متصل بأول ليل اليوم الثاني ، فسمى آخر النهار أصيلًا ، لكونه ملاصقًا لما هو الأصل لليوم الثاني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت