فهرس الكتاب

الصفحة 3374 من 8321

فإن قيل: إذا قرىء { يُغَشّيكُمُ } بالتخفيف والتشديد ونصب { النعاس } فالمضير لله D { وأمنة } مفعول له . أما إذا قرىء { يُغَشّيكُمُ النعاس } فكيف يمكن جعل قوله: { ءامِنَةً } مفعولًا له ، مع أن المفعول له يجب أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل؟

قلنا: قوله: { يغشاكم } وإن كان في الظاهر مسندًا إلى النعاس ، إلا أنه في الحقيقة مسند إلى الله تعالى ، فصح هذا التعليل نظرًا إلى المعنى . قال صاحب «الكشاف» : وقرىء { كَانَتْ ءامِنَةً } بسكون الميم ، ونظير أمن أمنة ، حي حياة ، ونظير أمن أمنة ، رحم رحمة . قال ابن عباس: النعاس في القتال أمنة من الله ، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان .

النوع الثاني: من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى: { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } ولا شبهة أن المراد منه المطر ، وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء ، واستولوا عليه ، وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة ، وعطش المؤمنون وخافوا ، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة ، وأكثرهم احتلموا وأجنبوا ، وانضاف إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملًا تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير ، وكان الخوف حاصلًا في قلوبهم ، بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم ، فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلًا على حصول النصرة والظفر ، وعظمت النعمة به من جهات: أحدها: زوال العطش ، فقد روي أنهم حفروا موضعًا في الرمل ، فصار كالحوض الكبير ، واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا . وثانيها: أنهم اغتسلوا من ذلك الماء ، وزالت الجنابة عنهم ، وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبًا ، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه . وثالثها: أنهم لما عطشوا ولم يجدوا الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل فزالت عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود . وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على زوال العسر وحصول اليسر والمسرة .

أما قوله: { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } ففيه وجوه: الأول: أن المراد منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان . الثاني: أن الكفار لما نزلوا على الماء ، وسوس الشيطان إليهم وخوفهم من الهلاك ، فلما نزل المطر زالت تلك الوسوسة ، روى أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم ، تمثل لهم إبليس وقال أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة ، وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي واتخذ المسلمون حياضًا واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام . الثالث: أن المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان إليه من معصية وفساد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت