فهرس الكتاب

الصفحة 3385 من 8321

المسألة الأولى: أنه تعالى حكم عليهم بالتولي عن الدلائل وبالإعراض عن الحق وأنهم لا يقبلونه البتة ، ولا ينتفعون به البتة . فنقول: وجب أن يكون صدور الإيمان منهم محالًا ، لأنه لو صدر الإيمان ، لكان إما أن يوجد ذلك الإيمان مع بقاء هذا الخبر صدقًا أو مع انقلابه كذبًا والأول محال ، لأن وجود الإيمان مع الأخبار بعدم الإيمان جمع بين النقيضين وهو محال . والثاني محال ، لأن انقلاب خبر الله الصدق كذبًا محال . لا سيما في الزمان الماضي المنقضي ، وهكذا القول في انقلاب علم الله جهلًا ، وتقريره سبق مرارًا .

المسألة الثانية: النحويون يقولون: كلمة { لَوْ } وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لأجل انتفاء غيره ، فإذا قلت: لو جئتني لأكرمتك ، أفاد أنه ما حصل المجيء ، وما حصل الإكرام . ومن الفقهاء من قال: إنه لا يفيد إلا الاستلزام ، فأما الانتفاء لأجل انتفاء الغير ، فلا يفيده هذا اللفظ والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية ، فهي هذه الآية ، وتقريره: أن كلمة { لَوْ } لو أفادت ما ذكروه لكان قوله: { وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ } يقتضي أنه تعالى ما علم فيهم خيرًا وما أسمعهم . ثم قال: { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ } فيكون معناه: أنه ما أسمعهم وأنهم ما تولوا لكن عدم التولي خير من الخيرات ، فأول الكلام يقتضي نفي الخير ، وآخره يقتضي حصول الخير ، وذلك متناقض . فثبت أن القول بأن كلمة { لَوْ } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره يوجب هذا التناقض ، فوجب أن لا يصار إليه . وأما الخبر فقوله عليه السلام:"نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"فلو كانت لفظة «لو» تفيد ما ذكروه لصار المعنى أنه خاف الله وعصاه ، وذلك متناقض . فثبت أن كلمة { لَوْ } لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، وإنما تفيد مجرد الاستلزام .

واعلم أن هذا الدليل أحسن إلا أنه على خلاف قول جمهور الأدباء .

المسألة الثالثة: أن معلومات الله تعالى على أربعة أقسام: أحدها: جملة الموجودات . والثاني: جملة المعدومات . والثالث: أن كل واحد من الموجودات لو كان معدومًا فكيف يكون حاله . الرابع: أن كل واحد من المعدومات لو كان موجودًا كيف يكون حاله ، والقسمان الأولان علم بالواقع ، والقسمان الثانيان عم بالمقدر الذي هو غير واقع ، فقوله: { وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ } من القسم الثاني وهو العلم بالمقدرات ، وليس من أقسام العلم بالواقعات ونظيره قوله تعالى حكاية عن المنافقين: { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ } وقال تعالى: { لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الادبار } [ الحشر: 11 ، 12 ] فعلم تعالى في المعدوم أنه لو كان موجودًا كيف يكون حاله ، وأيضًا قوله: { وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [ الأنعام: 28 ] فأخبر عن المعدوم أنه لو كان موجودًا كيف يكون حاله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت