والنوع الثالث: قوله: { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } واعلم أن المراد من تكفير السيئات سترها في الدنيا ومن المغفرة إزالتها في القيامة لئلا يلزم التكرار . ثم قال: { والله ذُو الفضل العظيم } ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به ، وإنما قلنا: إن أفضال الله أعظم من أفضال غيره لوجوه: الأول: أن كل ما سوى الحق سبحانه فإنه لا يتفضل ولا يحسن إلا إذا حصلت في قلبه داعية الإفضال والإحسان ، وتلك الداعية حادثة فلا تحصل إلا بتخليق الله تعالى ، وعند هذا ينكشف أن المتفضل ليس إلا الله الذي خلق تلك الداعية الموجبة لذلك الفعل . الثاني: أن كل من تفضل يستفيد به نوعًا من أنواع الكمال إما عوضًا من المال أو عوضًا من المدح والثناء ، وإما عوضًا من نوع آخر وهو دفع الألم الحاصل في القلب بسبب الرقة الجنسية والله تعالى يعطي ويتفضل ولا يطلب به شيئًا من الأعواض لأنه كامل لذاته ، وما كان حاصلًا للشيء لذاته امتنع أن يستفيده من غيره . الثالث: أن كل من تفضل على الغير فإن المتفضل عليه يصير ممنونًا عليه من ذلك المتفضل ، وذلك منفر ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الموجد لذات كل أحد بجميع صفاته ، فلا يحصل الاستنكاف من قبول إحسانه . الرابع: أن كل من تفضل على غيره فإنه لا ينتفع المتفضل عليه بذلك التفضل إلا إذا حصلت له عين باصرة وأذن سامعة ومعدة هاضمة . حتى ينتفع بذلك الإحسان ، وعند هذا ينكشف أن المتفضل هو الله في الحقيقة فثبت بهذه البراهين صحة قوله: { والله ذُو الفضل العظيم } .